تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه

[المائدة 6] أي بعضه، وجعل من لابتداء الغاية تعسف إذ لا يفهم من نحو ذلك إلا التبعيض، واليد اسم للعضو إلى المنكب، وما روي أنه عليه الصلاة والسلام تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه، والقياس على الوضوء دليل على أن المراد ها هنا ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾. ﴿ إن الله كان عفوا غفورا ﴾ فلذلك يسر الأمر عليكم ورخص لكم.

﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا ﴾ من رؤية البصر أي ألم تنظر إليهم، أو القلب. وعدي بإلى لتضمن معنى الانتهاء. ﴿ نصيبا من الكتب ﴾ حظا يسيرا من علم التوراة لأن المراد أحبار اليهود. ﴿ يشترون الضللة ﴾ يختارونها على الهدى، أو يستبدلونها به بعد تمكنهم منه، أو حصوله لهم بإنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: يأخذون الرشى ويحرفون التوراة. ﴿ ويريدون أن تضلوا ﴾ أيها المؤمنون. ﴿ السبيل ﴾ سبيل الحق.

﴿ والله أعلم ﴾ منكم. ﴿ بأعدائكم ﴾ وقد أخبركم بعداوة هؤلاء وما يريدون بكم فاحذروهم. ﴿ وكفى بالله وليا ﴾ يلي أمركم. ﴿ وكفى بالله نصيرا ﴾ يعينكم فثقوا عليه واكتفوا به عن غيره. والباء تزاد في فاعل كفى لتوكيد الاتصال الإسنادي بالاتصال الإضافي.

﴿ من الذين هادوا يحرفون ﴾ بيان للذين أوتوا نصيبا فإنه يحتملهم وغيرهم، وما بينهما اعتراض أو بيان لأعدائكم أو صلة لنصيرا. أي ينصركم من الذين هادوا ويحفظكم منهم، أو خبر محذوف صفته يحرفون. ﴿ الكلم عن موضعه ﴾ أي من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها بإزالته عنها وإثبات غيره فيها. أو يؤولونه على ما يشتهون فيميلونه عما أنزل الله فيه. وقرىء الكلم بكسر الكاف وسكون اللام جمع كلمة تخفيف كلمة. ﴿ ويقولون سمعنا ﴾ قولك. ﴿ وعصينا ﴾ أمرك. ﴿ واسمع غير مسمع ﴾ أي مدعوا عليك بلا سمعت لصمم أو موت، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، أو اسمع غير مسمع كلاما ترضاه، أو اسمع كلاما غير مسمع إياك لأن أذنك تنبو عنه فيكون مفعولا به، أو اسمع غير مسمع مكروها من قولهم أسمعه فلان إذا سبه، وإنما قالوه نفاقا. ﴿ ورعنا ﴾ انظرنا نكلمك أو نفهم كلامك. ﴿ ليا بألسنتهم ﴾ فتلا بها وصرفا للكلام إلى ما يشبه السب، حيث وضعوا راعنا المشابه لما يتسابون به موضع انظرنا وغير مسمع موضع لا أسمعت مكروها، أو فتلا بها وضما لما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرون من السب والتحقير نفاقا. ﴿ وطعنا في الدين ﴾ استهزاء به وسخرية. ﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا ﴾ ولو ثبت قولهم هذا مكان ما قالوه. ﴿ لكان خيرا لهم وأقوم ﴾ لكان قولهم ذلك خيرا لهم وأعدل، وإنما يجب حذف الفعل بعد لو في مثل ذلك لدلالة أن عليه ووقوعه موقعه. ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم ﴾ ولكن خذلهم الله وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم. ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾ أي إلا إيمانا قليلا لا يعبأ به وهو الإيمان ببعض الآيات والرسل، ويحتمل أن يراد بالقلة العدم كقوله:

قليل التشكي للمهم يصيبه

أو إلا قليلا منهم آمنوا أو سيؤمنون

﴿ يأيها الذين أوتوا الكتب ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبرها ﴾ من قبل أن نمحو تخطيط صورها ونجعلها على هيئة أدبارها، يعني الأقفاء، أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا، أو في الآخرة. وأصل الطمس إزالة الأعلام المائلة وقد يطلق بمعنى الطلس في إزالة الصورة ولمطلق القلب والتغيير، ولذلك قيل معناه من قبل أن نغير وجوها فنسلب وجاهتها وإقبالها ونكسوها الصغار والإدبار، أو نردها إلى حيث جاءت منه، وهي أذرعات الشام يعني إجلاء بني النضير، ويقرب منه قول من قال إن المراد بالوجوه الرؤساء، أو من قبل أن نطمس وجوها بأن نعمي الأبصار عن الاعتبار ونصم الأسماع عن الإصغاء إلى الحق بالطبع ونردها عن الهداية إلى الضلالة.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٢٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٢٧٢