4.105
﴿ إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق لتحكم بين الناس ﴾ نزلت في طعمة بن أبيرق من بني ظفر، سرق درعا من جاره قتادة بن النعمان في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه وخبأها عند زيد بن السمين اليهودي، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد، وحلف ما أخذها وماله بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها. فقال دفعها إلى طعمة وشهد له ناس من اليهود فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك وافتضح وبرىء اليهودي فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ﴿ بما أراك الله ﴾ بما عرفك الله وأوحى به إليك وليس من الرؤية بمعنى العلم وإلا لاستدعى ثلاثة مفاعيل. ﴿ ولا تكن للخائنين ﴾ أي لأجلهم والذب عنهم ﴿ خصيما ﴾ للبرآء.
4.106-115
﴿ واستغفر الله ﴾ مما همت به. ﴿ إن الله كان غفورا رحيما ﴾ لمن يستغفر.
﴿ ولا تجدل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ يخونونها فإن وبال خيانتهم يعود عليها، أو جعل المعصية خيانة لها كما جعلت ظلما عليها، والضمير لطعمة وأمثاله أو له ولقومه فإنهم شاركوه في الإثم حيث شهدوا على براءته وخاصموا عنه. ﴿ إن الله لا يحب من كان خوانا ﴾ مبالغا في الخيانة مصرا عليها. ﴿ أثيما ﴾ منهمكا فيها. روي: أن طعمة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا بها ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله.
﴿ يستخفون من الناس ﴾ يستترون منهم حياء وخوفا. ﴿ ولا يستخفون من الله ﴾ ولا يستحيون منه وهو أحق بأن يستحيا ويخاف منه. ﴿ وهو معهم ﴾ لا يخفي عليه سرهم فلا طريق معه إلا ترك ما يستقبحه ويؤاخذ عليه. ﴿ إذ يبيتون ﴾ يدبرون ويزورون. ﴿ ما لا يرضى من القول ﴾ من رمي البريء والحلف الكاذب وشهادة الزور. ﴿ وكان الله بما يعملون محيطا ﴾. لا يفوت عنه شيء.
﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿ جدلتم عنهم في الحيوة الدنيا ﴾ جملة مبينة لوقوع أولاء خبرا أو صلة عند من يجعله موصولا. ﴿ فمن يجدل الله يوم القيمة أم من يكون عليهم وكيلا ﴾ محاميا يحميهم من عذاب الله.
﴿ ومن يعمل سوءا ﴾ قبيحا يسوء به غيره. ﴿ أو يظلم نفسه ﴾ بما يختص به ولا يتعداه. وقيل المراد بالسوء ما دون الشرك، وبالظلم الشرك. وقيل: الصغيرة والكبيرة. ﴿ ثم يستغفر الله ﴾ بالتوبة. ﴿ يجد الله غفورا ﴾ لذنوبه. ﴿ رحيما ﴾ متفضلا عليه، وفيه حث لطعمة وقومه على التوبة والاستغفار.
﴿ ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه ﴾ فلا يتعداه وباله كقوله تعالى: ﴿ وإن أسأتم فلها ﴾. ﴿ وكان الله عليما حكيما ﴾ فهو عالم بفعله حكيم في مجازاته.
﴿ ومن يكسب خطيئة ﴾ صغيرة أو ما لا عمد فيه. ﴿ أو إثما ﴾ كبيرة أو ما كان عن عمد. ﴿ ثم يرم به بريئا ﴾ كما رمى طعمة زيدا، ووحد الضمير لمكان أو. ﴿ فقد احتمل بهتنا وإثما مبينا ﴾ بسبب رمي البريء وتبرئة النفس الخاطئة، ولذلك سوى بينهما وإن كان مقترف أحدهما دون مقترف الآخر.
﴿ ولولا فضل الله عليك ورحمته ﴾ بإعلام ما هم عليه بالوحي، والضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ﴿ لهمت طائفة منهم ﴾ أي من بني ظفر. ﴿ أن يضلوك ﴾ عن القضاء بالحق مع علمهم بالحال، والجملة جواب لولا وليس القصد فيه إلى نفي همهم بل إلى نفي تأثيره فيه. ﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾ لأنه ما أزلك عن الحق وعاد وباله عليهم. ﴿ وما يضرونك من شيء ﴾ فإن الله سبحانه وتعالى عصمك وما خطر ببالك كان اعتمادا منك على ظاهر الأمر لا ميلا في الحكم، ومن شيء في موضع النصب على المصدر أي شيء من الضرر ﴿ وأنزل الله عليك الكتب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم ﴾ من خفيات الأمور، أو من أمور الدين والأحكام.
﴿ وكان فضل الله عليك عظيما ﴾ إذ لا فضل أعظم من النبوة.
﴿ لا خير في كثير من نجواهم ﴾ من متناجيهم كقوله تعالى: ﴿ وإذ هم نجوى ﴾ أو من تناجيهم فقوله: ﴿ إلا من أمر بصدقة أو معروف ﴾ على حذف مضاف أي إلا نجوى من أمر أو على الانقطاع بمعنى ولكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير، والمعروف كل ما يستحسنه الشرع ولا ينكره العقل. وفسرها هنا بالقرض وإغاثة الملهوف وصدقة التطوع وسائر ما فسر به. ﴿ أو إصلح بين الناس ﴾ أو إصلاح ذات البين. ﴿ ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ بني الكلام على الأمر ورتب الجزاء على الفعل ليدل على أنه لما دخل الآمر في زمرة الخيرين كان الفاعل أدخل فيهم، وأن العمدة والغرض هو الفعل واعتبار الأمر من حيث إنه وصلة إليه، وقيد الفعل بأن يقول لطلب مرضاة الله سبحانه وتعالى، لأن الأعمال بالنيات وأن كل من فعل خيرا رياء وسمعة لم يستحق به من الله أجرا. ووصف الأجر بالعظم تنبيها على حقارة ما فات في جنبه من أعراض الدنيا. وقرأ حمزة وأبو عمرو «يؤتيه» بالياء.