تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ أي ما وعدتنا على تصديق رسلك من الثواب. لما أظهر امتثاله لما أمر به سأل ما وعد عليه لا خوفا من إخلاف الوعد بل مخافة أن لا يكون من الموعودين لسوء عاقبة، أو قصور في الامتثال أو تعبدا واستكانة. ويجوز أن يعلق على بمحذوف تقديره: ما وعدتنا منزلا على رسلك، أو محمولا عليهم. وقيل معناه على ألسنة رسلك. ﴿ ولا تخزنا يوم القيمة ﴾ بأن تعصمنا عما يقتضيه. ﴿ إنك لا تخلف الميعاد ﴾ بإثابة المؤمن وإجابة الداعي وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الميعاد البعث بعد الموت. وتكرير ربنا للمبالغة في الابتهال والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها. وفي الآثار

" من حزبه أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه الله مما يخاف "

﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ إلى طلبتهم، وهو أخص من أجاب ويعدي بنفسه وباللام. ﴿ أني لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ أي بأني لا أضيع. وقرىء بالكسر على إرادة القول. ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ بيان عامل. ﴿ بعضكم من بعض ﴾ لأن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر، أو لأنهما من أصل واحد، أو لفرط الاتصال والاتحاد، أو للاجتماع والاتفاق في الدين. وهي جملة معترضة بين بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد للعمال. روي

" أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء) فنزلت ".

﴿ فالذين هجروا ﴾ إلخ، تفصيل لأعمال العمال وما أعد لهم من الثواب على سبيل المدح والتعظيم، والمعنى فالذين هاجروا الشرك أو الأوطان والعشائر للدين. ﴿ وأخرجوا من ديرهم وأوذوا في سبيلي ﴾ بسبب إيمانهم بالله ومن أجله ﴿ وقاتلوا ﴾ الكفار. ﴿ وقتلوا ﴾ في الجهاد.

وقرأ حمزة والكسائي بالعكس لأن الواو لا توجب ترتيبا والثاني أفضل. أو لأن المراد لما قتل منهم قوم قاتل الباقون ولم يضعفوا. وشدد ابن كثير وابن عامر ﴿ قتلوا ﴾ للتكثير. ﴿ لأكفرن عنهم سيئتهم ﴾ لأمحونها. ﴿ ولأدخلنهم جنت تجري من تحتها الانهر ثوابا من عند الله ﴾ أي أثيبهم بذلك إثابة من عند الله تفضلا منه، فهو مصدر مؤكد. ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ على الطاعات قادر عليه.

﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلد ﴾ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، أو تثبيته على ما كان عليه كقوله ﴿ فلا تطع المكذبين ﴾ أو لكل أحد، والنهي في المعنى للمخاطب وإنما جعل للتقلب تنزيلا للسبب منزلة المسبب للمبالغة، والمعنى لا تنظر إلى ما الكفرة عليه من السعة والحظ، ولا تغتر بظاهر ما ترى من تبسطهم في مكاسبهم ومتاجرهم ومزارعهم. روي

" أن بعض المؤمنين كانوا يرون المشركين في رخاء ولين عيش فيقولون: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد "

فنزلت.

﴿ متع قليل ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي ذلك التقلب متاع قليل لقصر مدته في جنب ما أعد الله للمؤمنين. قال عليه الصلاة والسلام

" ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع "

﴿ ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ﴾ أي ما مهدوا لأنفسهم.

﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنت تجري من تحتها الأنهر خلدين فيها نزلا من عند الله ﴾ النزل والنزل ما يعد للنازل من طعام وشراب وصلة. قال أبو الشعر الضبي:

وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا

جعلنا القنا والمرهفات نزلا

وانتصابه على الحال من جنات والعامل فيها الظرف، وقيل: إنه مصدر مؤكد والتقدير أنزلوها نزلا ﴿ وما عند الله ﴾ لكثرته ودوامه ﴿ خير للأبرار ﴾ مما يتقلب فيه الفجار لقلته وسرعة زواله. ﴿ وإن من أهل الكتب لمن يؤمن بالله ﴾ نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه. وقيل في أربعين من نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا نصارى فأسلموا. وقيل في أصحمة النجاشي لما نعاه جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فصلى عليه فقال المنافقون انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط. وإنما دخلت اللام على الاسم للفصل بينه وبين إن بالظرف. ﴿ وما أنزل إليكم ﴾ من القرآن. ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ من الكتابين. ﴿ خشعين لله ﴾ حال من فاعل يؤمن وجمعه باعتبار المعنى ﴿ لا يشترون بئايت الله ثمنا قليلا ﴾ كما يفعله المحرفون من أحبارهم. ﴿ أولئك لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ما خص بهم من الأجر ووعده في قوله تعالى: ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين ﴾ ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ لعمله بالأعمال وما يستوجبه من الجزاء واستغنائه عن التأمل والاحتياط، والمراد أن الأجر الموعود سريع الوصول فإن سرعة الحساب تستدعي سرعة الجزاء.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٢٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٢٥٠