3.189-199
﴿ ولله ملك السموات والأرض ﴾ فهو يملك أمرهم. ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فيقدر على عقابهم. وقيل هو رد لقولهم إن الله فقير ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلف اليل والنهار لآيت لأولي الألبب ﴾ لدلائل واضحة على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته لذوي العقول المجلوة الخالصة عن شوائب الحس والوهم كما سبق في سورة البقرة، ولعل الاقتصار على هذه الثلاثة في هذه الآية لأن مناط الاستدلال هو التغير، وهذه متعرضة لجملة أنواعه فإنه إما أن يكون في ذات الشيء كتغير الليل والنهار، أو جزئه كتغير العناصر بتبدل صورها أو الخارج عنه كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم
" ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها "
﴿ الذين يذكرون الله قيما وقعودا وعلى جنوبهم ﴾ أي يذكرونه دائما على الحالات كلها قائمين وقاعدين ومضطجعين، وعنه عليه الصلاة والسلام
" من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله ".
وقيل معناه يصلون على الهيئات الثلاث حسب طاقتهم لقوله عليه الصلاة والسلام لعمران بن حصين:
" صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب تومىء إيماء ".
فهو حجة للشافعي رضي الله عنه في أن المريض يصلي مضطجعا على جنبه الأيمن مستقبلا بمقاديم بدنه. ﴿ ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ استدلالا واعتبارا، وهو أفضل العبادات كما قال عليه الصلاة والسلام
" لا عبادة كالتفكر "
لأنه المخصوص بالقلب والمقصود من الخلق، وعنه عليه الصلاة والسلام:
" بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى السماء والنجوم فقال: أشهد أن لك ربا وخالقا: اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له "
وهذا دليل واضح على شرف علم الأصول وفضل أهله. ﴿ ربنا ما خلقت هذا بطلا ﴾ على إرادة القول أي يتفكرون قائلين ذلك، وهذا إشارة إلى المتفكر فيه، أي الخلق على أنه أريد به المخلوق من السموات والأرض، أو إليهما لأنهما في معنى المخلوق، والمعنى ما خلقته عبثا ضائعا من غير حكمة بل خلقته لحكم عظيمة من جملتها أن يكون مبدأ لوجود الإنسان وسببا لمعاشه ودليلا يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك لينال الحياة الأبدية والسعادة السرمدية في جوارك. ﴿ سبحنك ﴾ تنزيها لك من العبث وخلق الباطل وهو اعتراض. ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ للإخلال بالنظر فيه، والقيام بما يقتضيه. وفائدة الفاء هي الدلالة على أن علمهم بما لأجله خلقت السموات والأرض حملهم على الاستعاذة.
﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ غاية الإخزاء، وهو نظير قولهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك، والمراد به تهويل المستعاذ منه تنبيها على شدة خوفهم وطلبهم الوقاية منه، وفيه إشعار بأن العذاب الروحاني أفظع.
﴿ وما للظلمين من أنصار ﴾ أراد بهم المدخلين، ووضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن ظلمهم سبب لإدخالهم النار وانقطاع النصرة عنهم في الخلاص منها، ولا يلزم من نفي النصرة نفي الشفاعة لأن النصر دفع بقهر.
﴿ ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمن ﴾ أوقع الفعل على المسمع وحذف المسموع لدلالة وصفه عليه، وفيه مبالغة ليست في إيقاعه على نفس المسموع وفي تنكير المنادي وإطلاقه ثم تقييده تعظيم لشأنه، والمراد به الرسول عليه الصلاة والسلام وقيل القرآن، والنداء والدعاء ونحوهما يعدى بإلى واللام لتضمنها معنى الانتهاء والاختصاص. ﴿ أن آمنوا بربكم فآمنا ﴾ أي بأن آمنوا فامتثلنا. ﴿ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ كبائرنا فإنها ذات تبعة. ﴿ وكفر عنا سيئتنا ﴾ صغائرنا فإنها مستقبحة، ولكن مكفرة عن مجتنب الكبائر. ﴿ وتوفنا مع الأبرار ﴾ مخصوصين بصحبتهم معدودين في زمرتهم، وفيه تنبيه على أنهم محبون لقاء الله، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. والأبرار جمع بر أو بار كأرباب وأصحاب.