تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.44

﴿ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ﴾ أي ما ذكرنا من القصص من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي. ﴿ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلمهم ﴾ أقداحهم للاقتراع. وقيل اقترعوا بأقلامهم التى كانوا يكتبون بها التوراة تبركا، والمراد تقرير كونه وحيا على سبيل التهكم بمنكريه، فإن طريق معرفة الوقائع المشاهدة والسماع وعدم السماع معلوم لا شبهة فيه عندهم فبقي أن يكون الإتهام باحتمال العيان ولا يظن به عاقل. ﴿ أيهم يكفل مريم ﴾ متعلق بمحذوف دل عليه ﴿ يلقون أقلمهم ﴾ أي يلقونها ليعلموا، أو يقولوا ﴿ أيهم يكفل مريم ﴾. ﴿ وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ تنافسا في كفالتها.

3.45-54

﴿ إذ قالت الملئكة ﴾ بدل من ﴿ إذ قالت ﴾ الأولى وما بينهما اعتراض، أو من ﴿ إذ يختصمون ﴾ على أن وقوع الاختصام والبشارة في زمان متسع كقولك لقيته سنة كذا. ﴿ يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ المسيح لقبه وهو من الألقاب المشرفة كالصديق وأصله بالعبرية مشيحا معناه: المبارك، وعيسى معرب ايشوع واشتقاقهما من المسح لأنهما مسح بالبركة أو بما طهره من الذنوب، أو مسح الأرض ولم يقم في موضع، أو مسحه جبريل، ومن العيس وهو بياض يعلوه حمرة، تكلف لا طائل تحته، وابن مريم لما كان صفة تميز تمييز الأسماء نظمت في سلكها، ولا ينافي تعدد الخبر وإفراد المبتدأ فإنه اسم جنس مضاف ويحتمل أن يراد به أن الذي يعرف به ويتميز عن غيره هذه الثلاثة، فإن الإسم علامة المسمى والمميز له ممن سواه ويجوز أن يكون عيسى خبر مبتدأ محذوف وابن مريم صفته، وإنما قيل ابن مريم والخطاب لها تنبيها على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد تنسب إلى الآباء ولا تنسب إلى الأم إلا إذا فقد الأب. ﴿ وجيها في الدنيا والأخرة ﴾ حال مقدرة من كلمة وهي وإن كانت نكرة لكنها موصوفة وتذكيره للمعنى، والوجاهة في الدنيا النبوة وفي الآخرة الشفاعة ﴿ ومن المقربين ﴾ من الله، وقيل إشارة إلى علو درجته في الجنة أو رفعه إلى السماء وصحبة الملائكة.

﴿ ويكلم الناس فى المهد وكهلا ﴾ أي يكلمهم حال كونه طفلا وكهلا، كلام الأنبياء من غير تفاوت. والمهد مصدر سمي به ما يمهد للصبي في مضجعه. وقيل إنه رفع شابا والمراد وكهلا بعد نزوله، وذكر أحواله المختلفة المتنافية إرشادا إلى أنه بمعزل عن الألوهية ﴿ ومن الصلحين ﴾ حال ثالث من كلمة أو ضميرها الذي في يكلم.

﴿ قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر ﴾ تعجب، أو استبعاد عادي، أو استفهام عن أنه يكون بتزوج أو غيره. ﴿ قال كذلك الله يخلق ما يشاء ﴾ القائل جبريل، أو الله تعالى وجبريل حكى لها قول الله تعالى. ﴿ إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ﴾ إشارة إلى أنه تعالى كما يقدر أن يخلق الأشياء مدرجا بأسباب ومواد يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك.

﴿ ويعلمه الكتب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ كلام مبتدأ ذكر تطييبا لقلبها وإزاحة لما همها من خوف اللوم لما علمت أنها تلد من غير زوج، أو عطف على يبشرك، أو وجيها و ﴿ الكتب ﴾ الكتبة أو جنس الكتب المنزلة. وخص الكتابان لفضلهما. وقرأ نافع وعاصم ﴿ ويعلمه ﴾ بالياء.

﴿ ورسولا إلى بنى إسرءيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم ﴾ منصوب بمضمر على إرادة القول تقديره: ويقول أرسلت رسولا بأني قد جئتكم، أو بالعطف على الأحوال المتقدمة مضمنا معنى النطق فكأنه قال: وناطقا بأني قد جئتكم، وتخصيص بني إسرائيل لخصوص بعثته إليهم أو للرد على من زعم أنه مبعوث إلى غيرهم.

﴿ أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير ﴾ نصب بدل من أني قد جئتكم، أو جر بدل من آية، أو رفع على هي أني أخلق لكم والمعنى: أقدر لكم وأصور شيئا مثل صورة الطير، وقرأ نافع ﴿ إنى ﴾ بالكسر ﴿ فأنفخ فيه ﴾ الضمير للكاف أي في ذلك الشيء المماثل. ﴿ فيكون طيرا بإذن الله ﴾ فيصير حيا طيارا بأمر الله، نبه به على أن إحياءه من الله تعالى لا منه. وقرأ نافع هنا وفي المائدة «طائرا» بالألف والهمزة. ﴿ وأبرىء الأكمه والأبرص ﴾ الأكمه الذي ولد أعمى أو الممسوح العين. روي: أنه ربما كان يجتمع عليه ألوف من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتاه عيسى عليه الصلاة والسلام وما يداوي إلا بالدعاء. ﴿ وأحيي الموتى بإذن الله ﴾ كرر بإذن الله دفعا لتوهم الألوهية، فإن الإحياء ليس من جنس الأفعال البشرية. ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴾ بالمغيبات من أحوالكم التي لا تشكون فيها. ﴿ إن في ذلك لأية لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ موفقين للإيمان فإن غيرهم لا ينتفع بالمعجزات، أو مصدقين للحق غير معاندين.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٢٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٢٠٩