3.30-38
﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ﴾ ﴿ يوم ﴾ منصوب بتود أي تتمنى كل نفس يوم تجد صحائف أعمالها، أو جزاء أعمالها من الخير والشر حاضرة لو أن بينها وبين ذلك اليوم، وهو له أمدا بعيدا، أو بمضمر نحو اذكر، و ﴿ تود ﴾ حال من الضمير في عملت أو خبر لما عملت من سوء وتجد مقصور على ﴿ ما عملت من خير ﴾ ، ولا تكون ﴿ ما ﴾ شرطية لارتفاع ﴿ تود ﴾. وقرىء «ودت» وعلى هذا يصح أن تكون شرطية ولكن الحمل على الخبر أوقع معنى لأنه حكاية كائن وأوفق للقراءة المشهورة. ﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ كرره للتأكيد والتذكير. ﴿ والله رءوف بالعباد ﴾ إشارة إلى أنه تعالى إنما نهاهم وحذرهم رأفة بهم ومراعاة لصلاحهم، أو أنه لذو مغفرة وذو عقاب أليم فترجى رحمته ويخشى عذابه.
﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ﴾ المحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، بحيث يحملها على ما يقربها إليه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، وأن كل ما يراه كمالا من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه إلا لله وفي الله وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في عبادته والحرص على مطاوعته. ﴿ يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ جواب للأمر أي يرض عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جناب عزه ويبوئكم في جوار قدسه، عبر عن ذلك بالمحبة على طريق الاستعارة أو المقابلة. ﴿ والله غفور رحيم ﴾ لمن تحبب إليه بطاعته واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم. روي: أنها نزلت لما قالت اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه. وقيل: نزلت في وفد نجران لما قالوا: إنما نعبد المسيح حبا لله. وقيل: في أقوام زعموا على عهده صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فأمروا أن يجعلوا لقولهم تصديقا من العمل.
﴿ قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا ﴾ يحتمل المضي والمضارعة بمعنى فإن تتولوا. ﴿ فإن الله لا يحب الكفرين ﴾ لا يرضى عنهم ولا يثني عليهم، وإنما لم يقل لا يحبهم لقصد العموم والدلالة على أن التولي كفر، وإنه من هذه الحيثية ينفي محبة الله وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين.
﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحا وءال إبرهيم وءال عمرن على العلمين ﴾ بالرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية، ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم. لما أوجب طاعة الرسول وبين أنها الجالبة لمحبة الله عقب ذلك ببيان مناقبهم تحريضا عليها، وبه استدل على فضلهم على الملائكة، ﴿ وآل إبراهيم ﴾ ، إسماعيل وإسحق وأولادهما.
وقد دخل فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ﴿ وآل عمران ﴾ موسى وهرون ابنا عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، أو عيسى وأمه مريم بنت عمران بن ماثان بن العازار بن أبي يوذ بن يوزن بن زربابل بن ساليان بن يوحنا بن أوشيا بن أمون بن منشكن بن حازقا بن أخاز بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن سافط بن ايشا بن راجعيم بن سليمان بن داود بن ايشي بن عوبد بن سلمون بن ياعز بن نحشون بن عمياد بن رام بن حصروم بن فارص بن يهوذا بن يعقوب عليه السلام، وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة.
﴿ ذرية بعضها من بعض ﴾ حال أو بدل من الآلين أو منهما ومن نوح أي إنهم ذرية واحدة متشعبة بعضها من بعض. وقيل بعضها من بعض في الدين. والذرية الولد يقع على الواحد والجمع فعلية من الذر أو فعولة من الذرء أبدلت همزتها ياء ثم قلبت الواو ياء وأدغمت. ﴿ والله سميع عليم ﴾ بأقوال الناس وأعمالهم فيصطفي من كان مستقيم القول والعمل، أو سميع بقول امرأة عمران عليم بنيتها.
﴿ إذ قالت امرأت عمرن رب إني نذرت لك ما في بطني ﴾ فينتصب به إذ على التنازع. وقيل نصبه بإضمار اذكر، وهذه حنة بنت فاقوذ جدة عيسى، وكانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهرون فظن أن المراد زوجته ويرده كفالة زكريا فإنه كان معاصرا لابن ماثان وتزوج بنته ايشاع، وكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة من الأب روي أنها كانت عاقرا عجوزا، فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائرا يطعم فرخه فحنت إلى الولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك علي نذرا إن رزقتني ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من خدمه، فحملت بمريم وهلك عمران. وكان هذا النذر مشروعا في عهدهم للغلمان فلعلها بنت الأمر على التقدير أو طلبت ذكرا ﴿ محررا ﴾ معتقا لخدمته لا أشغله بشيء، أو مخلصا للعبادة ونصبه على الحال. ﴿ فتقبل مني ﴾ ما نذرته. ﴿ إنك أنت السميع العليم ﴾ لقولي ونيتي.