3.71-80
﴿ يأهل الكتب لم تلبسون الحق بالبطل ﴾ بالتحريف وإبراز الباطل في صورته، أو بالتقصير في التمييز بينهما. وقرىء تلبسون بالتشديد وتلبسون بفتح الباء أي تلبسون الحق مع الباطل كقوله عليه السلام
" كلابس ثوبي زور "
﴿ وتكتمون الحق ﴾ نبوة محمد عليه السلام ونعته. ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ عالمين بما تكتمونه.
﴿ وقالت طائفة من أهل الكتب ءامنوا بالذي أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار ﴾ أي أظهروا الإيمان بالقرآن أول النهار. ﴿ واكفروا ءاخره لعلهم يرجعون ﴾ واكفروا به آخره لعلهم يشكون في دينهم ظنا بأنكم رجعتم لخلل ظهر لكم، والمراد بالطائفة كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف قالا لأصحابهما لما حولت القبلة: آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم وصلوا إلى الصخرة آخره لعلهم يقولون هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون. وقيل اثنا عشر من أحبار خيبر تقاولوا بأن يدخلوا في الإسلام أول النهار ويقولوا آخره نظرنا في كتابنا وشاورنا علماءنا فلم نجد محمدا عليه الصلاة والسلام بالنعت الذي ورد في التوراة لعل أصحابه يشكون فيه.
﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ ولا تقروا عن تصديق قلب إلا لأهل دينكم، أو لا تظهروا إيمانكم وجه النهار لمن كان على دينكم فإن رجوعهم أرجي وأهم. ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ هو يهدي من يشاء إلى الإيمان ويثبته عليه. ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ متعلق بمحذوف أي دبرتم ذلك وقلتم لأن يؤتى أحد، المعنى أن الحسد حملكم على ذلك أو بلا تؤمنوا أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأشياعكم، ولا تفشوه إلى المسلمين لئلا يزيد ثباتهم ولا إلى المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام وقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ اعتراض يدل على أن كيدهم لا يجدي بطائل، أو خبر إن على أن هدى الله بدل من الهدى. وقراءة ابن كثير ﴿ أن يؤتى ﴾ على الاستفهام للتقريع، تؤيد الوجه الأول أي إلا أن يؤتى أحد دبرتم. وقرىء ﴿ إن ﴾ على أنها نافية فيكون من كلام الطائفة أي ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. ﴿ أو يحاجوكم عند ربكم ﴾ عطف على ﴿ أن يؤتى ﴾ على الوجهين الأولين وعلى الثالث معناه: حتى يحاجوكم عند ربكم فيدحضوا حجتكم عند ربكم، والواو ضمير أحد لأنه في معنى الجمع إذ المراد به غير أتباعهم. ﴿ قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله وسع عليم ﴾.
﴿ يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ﴾ رد وإبطال لما زعموه بالحجة الواضحة.
﴿ ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ﴾ كعبد الله بن سلام استودعه قرشي ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأداه إليه ﴿ ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ﴾ كفنحاص بن عازوراء استودعه قرشي آخر دينارا فجحده.
وقيل المأمونون على الكثير النصارى إذ الغالب فيهم الأمانة، والخائنون في القليل اليهود إذ الغالب عليهم الخيانة. وقرأ حمزة وأبو بكر وأبو عمرو ﴿ يؤده إليك ﴾ و ﴿ لا يؤده إليك ﴾ بإسكان الهاء وقالون باختلاس كسرة الهاء وكذا روي عن حفص والباقون بإشباع الكسرة. ﴿ إلا ما دمت عليه قائما ﴾ إلا مدة دوامك قائما على رأسه مبالغا في مطالبته بالتقاضي والترافع وإقامة البينة. ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله ﴿ لا يؤده ﴾. ﴿ بأنهم قالوا ﴾ بسبب قولهم. ﴿ ليس علينا في الأميين سبيل ﴾ أي ليس علينا في شأن من ليسوا من أهل الكتاب ولم يكونوا على ديننا عتاب وذم. ﴿ ويقولون على الله الكذب ﴾ بادعائهم ذلك ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم كاذبون، وذلك لأنهم استحلوا ظلم من خالفهم وقالوا: لم يجعل لهم في التوراة حرمة. وقيل عامل اليهود رجالا من قريش فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا سقط حقكم حيث تركتم دينكم وزعموا أنه كذلك في كتابهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزولها