3.16
﴿ الذين يقولون ربنا إننا ءامنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ﴾ صفة للمتقين، أو للعباد، أو مدح منصوب أو مرفوع. وفي ترتيب السؤال على مجرد الإيمان دليل على أنه كاف في استحقاق المغفرة أو الاستعداد لها.
3.17
﴿ الصبرين والصدقين والقنتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ﴾ حصر لمقامات السالك على أحسن ترتيب، فإن معاملته مع الله تعالى إما توسل وإما طلب، والتوسل إما بالنفس وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل والصبر يشملهما، وإما بالبدن، وهو إما قولي وهو الصدق وإما فعلي وهو القنوت الذي هو ملازمة الطاعة، وإما بالمال وهو الإنفاق في سبل الخير، وإما الطلب فبالاستغفار لأن المغفرة أعظم المطالب بل الجامع لها وتوسيط الواو بينهما للدلالة على استقلال كل واحد منها وكمالهم فيها أو لتغاير الموصوفين بها، وتخصيص الأسحار لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة، لأن العبادة حينئذ أشق والنفس أصفى والروع أجمع للمجتهدين. قيل إنهم كانوا يصلون إلى السحر ثم يستغفرون ويدعون.
3.18-22
﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ بين وحدانيته بنصب الدلائل الدالة عليها وإنزال الآيات الناطقة بها. ﴿ والملئكة ﴾ بالإقرار. ﴿ وأولوا العلم ﴾ بالإيمان بها والاحتجاج عليها، شبه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشاهد. ﴿ قائما بالقسط ﴾ مقيما للعدل في قسمه وحكمه وانتصابه على الحال من الله، وإنما جاز إفراده بها ولم يجز جاء زيد وعمرو راكبا لعدم اللبس كقوله تعالى:
ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة
[الأنبياء: 72] أو من هو والعامل فيها معنى الجملة أي تفرد قائما، أو أحقه لأنها حال مؤكدة، أو على المدح، أو الصفة للمنفي وفيه ضعف للفصل وهو مندرج في المشهود به إذا جعلته صفة، أو حالا من الضمير. وقرىء القائم بالقسط على البدل عن هو أو الخبر لمحذوف. ﴿ لا إله إلا هو ﴾ كرره للتأكيد ومزيد الاعتناء بمعرفة أدلة التوحيد والحكم به بعد إقامة الحجة وليبني عليه قوله: ﴿ العزيز الحكيم ﴾ فيعلم أنه الموصوف بهما، وقدم العزيز لتقديم العلم بقدرته على العلم بحكمته، ورفعهما على البدل من الضمير أو الصفة لفاعل شهد.
وقد روي في فضلهما أنه عليه الصلاة والسلام قال
" يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى: «إن لعبدي هذا عندي عهدا وأنا أحق من وفى بالعهد، ادخلوا عبدي الجنة» "
وهي دليل على فضل علم أصول الدين وشرف أهله.
﴿ إن الدين عند الله الإسلم ﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى أي لا دين مرضي عند الله سوى الإسلام، وهو التوحيد والتدرع بالشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأ الكسائي بالفتح على أنه بدل من أنه بدل الكل أن فسر الإسلام بالإيمان، أو بما يتضمنه وبدل اشتمال إن فسر بالشريعة. وقرىء أنه بالكسر وأن بالفتح على وقوع الفعل على الثاني، واعتراض ما بينهما أو إجراء شهد مجرى قال تارة وعلم أخرى لتضمنه معناهما. ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتب ﴾ من اليهود والنصارى، أو من أرباب الكتب المتقدمة في دين الإسلام فقال قوم إنه حق وقال قوم إنه مخصوص بالعرب ونفاه آخرون مطلقا، أو في التوحيد فثلثت النصارى
وقالت اليهود عزير ابن الله
[التوبة: 30] وقيل هم قوم موسى اختلفوا بعده. وقيل هم النصارى اختلفوا في أمر عيسى عليه السلام. ﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ أي بعد ما علموا حقيقة الأمر وتمكنوا من العلم بها بالآيات والحجج. ﴿ بغيا بينهم ﴾ حسدا بينهم وطلبا للرئاسة، لا لشبهة وخفاء في الأمر. ﴿ ومن يكفر بآيت الله فإن الله سريع الحساب ﴾ وعيد لمن كفر منهم.
﴿ فإن حاجوك ﴾ في الدين، أو جادلوك فيه بعد ما أقمت الحجج. ﴿ فقل أسلمت وجهي لله ﴾ أخلصت نفسي وجملتي له لا أشرك فيها غيره، وهو الدين القويم الذي قامت به الحجج ودعت إليه الآيات والرسل، وإنما عبر بالوجه عن النفس لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهر القوى والحواس ﴿ ومن اتبعن ﴾ عطف على التاء في أسلمت وحسن للفصل، أو مفعول معه.