لكن، احذر جيدا، إن ربك - عز وجل - قيوم لا يغفل ولا ينام، وكما تدين تدان في نفسك، أو في أولادك. كذلك قبل أن نركب السيارات ونسرع بها يجب أن نمهد لها الطرق حتى لا تثير الغبار في وجوه الناس، وتؤذي تنفسهم، بل وتؤذي الزرع أيضا، كل هذه وجوه للإفساد في الأرض لأننا ندرس عاجل النفع ولا ندرس آجل الضرر. وعليك حين تجتهد أن تجتهد بمقدمات سليمة، لتصل إلى النتائج السليمة، ولا تكن من المفسدين في الأرض. ومن الإفساد في الأرض قطع الطريق، وهو أن المتلصص يقيم في مكانه يرصد ضحيته إلى أن تمر به، والإغارة وهي أن يذهب المغير إلى المغار عليه في مأمنه، فيسلبه ماله. ومن الإفساد في الأرض الرشوة، وهي من أنكى النكبات التي بلي بها المجتمع، وهي تولد التسيب وعدم الانضباط، فحين ترى غيرك يستغلك، ويستحل مالك دون حق، تعامله وتعامل غيره نفس المعاملة، فتصير الأمور في الأجهزة والمصالح إلى فوضى لا يعلم مداها إلا الله. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ واتقوا الذي خلقكم... ﴾.
26.184
فإياك أن تظن أن الله تعالى خلقنا عبثا، أو يتركنا هملا، إنما خلقنا لمهمة في الكون، وجعلنا جميعا عبيدا بالنسبة له سواء، فلم يحاب من أحدا على أحد، وليس عنده سبحانه مراكز قوى لذلك لم يتخذ صاحبه ولا ولدا. ولأننا جميعا أمامه سبحانه سواء وهو خالقنا، فقد تكفل لنا بالرزق ورعاية المصالح، فمن ابتلاه الله بالعجز عن الحركة فتحركت أنت لقضاء مصالحه، لا بد أن ينظر الله إليك بعين البركة والمضاعفة. فالمعوق والفقير بحق - لا الذي يتخذها مهنة وحرفة يرتزق بها - هذا الفقير وهذا المعوق هم خلق الله وأهل بلائه، فحين تعطيه من ثمرة حركتك أنت، وتذهب إليه وهو مطمئن في بيته، أنت بهذا العمل إنما تستر على الله بلاءه، وتكون يد الله التي يرزق بها هؤلاء، وعندها لا بد أن يحبك الفقير، وأن يدعو لك بالخير والبركة والزيادة والأجر والعافية والثواب، ويعلم أن الله خلقه ولم يسلمه. أما إن ضن الغني الواجد على الفقير المعدم، وتخلى عن أهل البلاء، فلا بد أن يسخط الفقير على الغني، بل يسخط على الله - والعياذ بالله - لأنه ما ذنبه أن يكون فقيرا، وغيره غني في مجتمع لا يرحم. وعجيب أن نرى مبتلى يظهر بلواه للناس، بل ويستغلها في ابتزازهم، فيظهر لهم إعاقته، كأنه يشكو الخالق للخلق، ولو أنه ستر على الله بلاءه وعلم أنه نعمة أنعم الله بها عليه لسخر الله له عافية غير المبتلى، ولجاءه رزقه على باب بيته، فلو رضي أهل البلاء لأعطاهم الله على قدر ما ابتلاهم. فمعنى: ﴿ واتقوا الذي خلقكم.. ﴾ [الشعراء: 184] أي: احذروا جبروته لأنه خلقكم، وضمن لكم الأرزاق، وضمن لكم قضاء الحاجات، حتى العاجز عن الحركة سخر له القادر، وجعل للغنى شرطا في إيمانه أن يعطى جزءا من سعيه للفقير، ويوصله إليه وهو مطمئن. ومعنى: ﴿ والجبلة الأولين ﴾ [الشعراء: 184] الجبلة من الجبل، وكان له دور في حياة العربي، وعليه تدور الكثير من تعبيراتهم، ففيه صفات الفخامة والعظمة والرسوخ والثبات، فاشتقوا من الجبل الجبلة وتعني الملازمة والثبات على الشيء. ومن ذلك نقول: فلان مجبول على الخير يعني: ملازم له لا يفارقه، وفلان كالجبل لا تزحزحه الأحداث، والعامة تقول: فلان جبلة يعني: ثقيل على النفس، وقد يزيد فيقول: مال جبلتك وارمة مبالغة في الوصف. حتى أن بعض الشعراء يمدح ممدوحه بأنه ثابت كالجبل، حتى بعد موته، فيقول عن ممدوحه وقد حملوه في نعشه:
ما كنت أحسب قبل نعشك أن أرى
رضوى على أيدي الرجال يسير
ورضوى جبل اشتهر بين العرب بضخامته. ومن ذلك قوله تعالى:
ولقد أضل منكم جبلا كثيرا..
[يس: 62]. ومعنى: ﴿ والجبلة الأولين ﴾ [الشعراء: 184] أي: الناس السابقين الذين جبلوا على العناد وتكذيب الرسل، فالله خلقكم وخلقهم، وقد رأيتم ما فعل الله بهم لما كذبوا رسله، لقد كتب الله النصر لرسله والهزيمة لمن كذبهم، فهؤلاء الذين سبقوكم من الأمم جبلوا على التكذيب، وكانوا ثابتين عليه لم يزحزحهم عن التكذيب شيء، فاحذروا أن تكونوا مثلهم فينزل بكم ما نزل بهم. فماذا كان ردهم؟