26.117-118
تأمل هنا أدب نوح - عليه السلام - حين يشكو قومه إلى الله ويرفع إليه ما حدث منهم، كل ما قاله: ﴿ إن قومي كذبون ﴾ [الشعراء: 117] ولم يذكر شيئا عن التهديد له بالرجم، وإعلان الحرب على دعوته، لماذا؟ لأن ما يهمه في المقام الأول أن يصدقه قومه، فهذا هو الأصل في دعوته. وقوله: ﴿ فافتح بيني وبينهم فتحا.. ﴾ [الشعراء: 118] الفتح في الشيء إما: حسيا وإما معنويا، فمثلا الباب المغلق بقفل نقول: نفتح الباب: أي نزيل أغلاقه. فإن كان الشيء مربوطا نزيل الأشكال ونفك الأربطة. ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف:
ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم..
[يوسف: 65] أي: أزالوا الرباط عن متاعهم، هذا هو الفتح الحسي. أما الفتح المعنوي فنزيل الأغلاق والأشكال المعنوية ليأتي الخير وتأتي البركة، كما في قوله سبحانه:
ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض..
[الأعراف: 96]. وفي آية أخرى:
ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده..
[فاطر: 2]. والخير الذي يفتح الله به على الناس قد يكون خيرا ماديا، وقد يكون علما، كما في قوله تعالى:
أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم..
[البقرة: 76]. أي: من العلم في التوراة، يخافون أن يأخذه المؤمنون، ويجعلوه حجة على أهل التوراة إذا ما كان لهم الفتح والغلبة، فمعنى:
بما فتح الله عليكم..
[البقرة: 76] أي: بما علمكم من علم لم يعلموه هم. وقد يكون الفتح بمعنى الحكم، مثل قوله سبحانه:
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين
[الأعراف: 89]. ويكون الفتح بمعنى النصر، كما في قوله تعالى:
إذا جآء نصر الله والفتح
[النصر: 1]. ثم يقول نوح عليه السلام: ﴿ ونجني.. ﴾ [الشعراء: 118] من كيدهم وما يهددونني به من الرجم ﴿ ومن معي من المؤمنين ﴾ [الشعراء: 118] لأن الإيذاء قد يتعداه إلى المؤمنين معه، وتأتي الإجابة سريعة: ﴿ فأنجيناه ومن معه... ﴾.