26.95
ولإبليس جنود من الجن، وجنود من الإنس، سيجتمعون جميعا في النار.
26.96-98
هذه لقطة من ساحة القيامة، حيث يختصم أهل الضلال مع من أضلوهم، ويلقي كل منهم بالتبعة على الآخر. وهذه الخصومة وردت في قوله تعالى على لسان الشيطان:
وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم..
[إبراهيم: 22] والمعنى: لم يكن لي عليكم سلطان قهر أحملكم به على طاعتي، ولا سلطان حجة أقنعكم به. ثم يعترف أهل الضلال بضلالهم ويقسمون ﴿ تالله.. ﴾ [الشعراء: 97] يعني: والله ﴿ إن كنا لفي ضلال مبين ﴾ [الشعراء: 97] يعني: ظاهر ومحيط بنا من كل ناحية، فأين كانت عقولنا ﴿ إذ نسويكم برب العالمين ﴾ [الشعراء: 98] أي: في الحب، وفي الطاعة، وفي العبادة. كما قال سبحانه:
ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله..
[البقرة: 165].
26.99
يعني: يا رب أرنا هؤلاء المجرمين، ومكنا منهم لننتقم لأنفسنا، ونجعلهم تحت أقدامنا، وهكذا أخرجوا كل سمهم في هؤلاء المجرمين، وألقوا عليهم بتبعة ما هم فيه.
26.100-101
الشافع من الشفع أي: الاثنين، والشافع هو الذي يضم صوته إلى صوتك في أمر لا تستطيع أن تناله بذاتك، فيتوسط لك عند من لديه هذا الأمر، والشفاعة في الآخرة لا تكون إلا لمن أذن الله له، يقول تعالى:
ولا يشفعون إلا لمن ارتضى..
[الأنبياء: 28]. ويقول سبحانه:
من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه..
[البقرة: 255]. إذن: ليس كل أحد صالحا للشفاعة معدا لها، وكذلك في الشفاعة في الدنيا فلا يشفع لك إلا صاحب منزلة ومكانة، وله عند الناس أياد تحملهم على احترامه وقبول وساطته، فهي شفاعة مدفوعة الثمن، فللشافع رصيد من الجميل وسوابق الخير تزيد عما يطلب للمشفوع له. لذلك نرى في الريف مثلا رجلا له جاه ومنزلة بين الناس، فيحكم في النزاعات ويفصل في الدم، فحين يتدخل بين خصمين ترى الجميع ينصاع له ويذعن لحكومته. ومن ذلك ما عرفناه في الشرع من شركة الوجوه، ومعلوم أن الشركة تحتاج إلى مال أو عمل، لكن قد يوجد شخص ليس لديه مال ولا يستطيع العمل، لكن يتمتع بوجاهة ومنزلة بين الناس، فنأخذه شريكا معنا بما لديه من هذه الميزة. والحقيقة أن وجاهته ومنزلته بين الناس قومت بالمال لأنه ما نالها من فراغ، إنما جاءت نتيجة جهد وعمل ومجاملات للناس، احترموه لأجلها، فلما زال عنه المال وأنفقه في الخير بقي له رصيد من الحب والمكانة بين الناس.. ومن ذلك أيضا شراء العلامة التجارية. ومعنى ﴿ ولا صديق حميم ﴾ [الشعراء: 101] فرق بين الشافع والصديق، فالشافع لا بد أن تطلب منه أن يشفع لك، أما الصديق وخاصة الحميم لا ينتظر أن تطلب منه، إنما يبادرك بالمساعدة، ووصف الصديق بأنه حميم لأن الصداقة وحدها في هذا الموقف لا تنفع حيث كل إنسان مشغول بنفسه. فإذا لم تكن الصداقة داخلة في الحميمية، فلن يسأل صديق عن صديقه، كما قالت تعالى:
يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه
[عبس: 34-37]. وقد أثارت مسألة الشفاعة لغطا كثيرا من المستشرقين الذين يريدون تصيد المآخذ على القرآن الكريم، فجاء أحدهم يقول: تقولون إن القرآن معجزة في البلاغة، ونحن نرى فيه المعنى الواحد يأتي في أسلوبين، فإن كان الأول بليغا فالآخر غير بليغ، وإن كان الثاني بليغا فالأول غير بليغ، ثم يقول عن مثل هذه الآيات: إنها تكرار لا فائدة منه. ونقول له: أنت تنظر إلى المعنى في إجماله، وليس لديك الملكة العربية التي تستقبل بها كلام الله، ولو كانت عندك هذه الملكة لما اتهمت القرآن، فكل آية مما تظنه تكرارا إنما هي تأسيس في مكانها لا تصلح إلا له.
والآيتان محل الكلام عن الشفاعة في سورة البقرة، وهما متفقتان في الصدر مختلفتان في العجز، أحدهما: