تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26.191

ربك: الرب هو المتولي الرعاية والتربية. وبهذه الخاتمة ختمت جميع القصص السابقة، ومع ما حدث منهم من تكذيب تختم بهذه الخاتمة الدالة على العزة والرحمة. ثم ينتقل السياق إلى خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم لنا العبرة والعظة في موكب الرسل السابقين، فيقول الحق سبحانه: ﴿ وإنه لتنزيل رب... ﴾.

26.192

﴿ وإنه.. ﴾ [الشعراء: 192] على أي شيء يعود هذا الضمير؟ المفروض أن يسبقه مرجع يرجع إليه هذا الضمير وهو لم يسبق بشيء. تقول: جاءني رجل فأكرمته فيعود ضمير الغائب في أكرمته على رجل. وكما في قوله تعالى:

قل هو الله أحد

[الإخلاص: 1] فالضمير هنا يعود على لفظ الجلالة، مع أنه متأخر عنه، ذلك لاستحضار عظمته تعالى في النفس فلا تغيب. كذلك ﴿ وإنه.. ﴾ [الشعراء: 192] أي: القرآن الكريم وعرفناه من قوله سبحانه: ﴿ لتنزيل رب العالمين ﴾ [الشعراء: 192] وقدم الضمير على مرجعه لشهرته وعدم انصراف الذهن إلا إليه، فحين تقول:

هو الله أحد

[الإخلاص: 1] لا ينصرف إلا إلى الله، ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين ﴾ [الشعراء: 192] لا ينصرف إلا إلى القرآن الكريم. وقال: ﴿ لتنزيل رب العالمين ﴾ [الشعراء: 192]. أي: أنه كلام الله لم أقله من عندي، خاصة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبق له أن وقف خطيبا في قومه، ولم يعرف عنه قبل الرسالة أنه خطيب أو صاحب قول. إذن: فهو بمقاييس الدنيا دونكم في هذه المسألة، فإذا كان ما جاء به من عنده فلماذا لم تأتوا بمثله؟ وأنتم أصحاب تجربة في القول والخطابة في عكاظ وذي المجاز وذي المجنة، فإن كان محمد قد افترى القرآن فأنتم أقدر على الافتراء لأنكم أهل دربة في هذه المسألة. و ﴿ العالمين ﴾ [الشعراء: 190]: كل ما سوى الله عز وجل لذلك كان صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين للإنس وللجن وللملائكة وغيرها من العوالم. لذلك لما نزلت:

ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين

[الأنبياء: 107]

" سأل سيدنا رسول الله جبريل عليه السلام: " أما لك من هذه الرحمة شيء يا أخي يا جبريل؟ " فقال: نعم، كنت أخشى سوء العاقبة كإبليس، فلما أنزل الله عليك قوله: ﴿ ذي قوة عند ذي العرش مكين ﴾ [التكوير: 20] أمنت العاقبة، فتلك هي الرحمة التي نالتني ".

وليس القرآن وحده تنزيل رب العالمين، إنما كل الكتب السابقة السماوية كانت تنزيل رب العالمين، لكن الفرق بين القرآن والكتب السابقة أنها كانت تأتي بمنهج الرسول فقط، ثم تكون له معجزة في أمر آخر تثبت صدقه في البلاغ عن الله. فموسى عليه السلام كان كتابه التوراة، ومعجزته العصا، وعيسى عليه السلام كان كتابه الإنجيل، ومعجزته إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، أما محمد صلى الله عليه وسلم فكان كتابه ومنهجه القرآن ومعجزته أيضا، فالمعجزة هي عين المنهج. فلماذا؟ قالوا: لأن القرآن جاء منهجا للناس كافة في الزمان وفي المكان فلا بد - إذن - أن يكون المنهج هو عين المعجزة، والمعجزة هي عين المنهج، وما دام الأمر كذلك فلا يصنع هذه المعجزة إلا الله، فهو تنزيل رب العالمين. أما الكتب السابقة فقد كانت لأمة بعينها في فترة محددة من الزمن، وقد نزلت هذه الكتب بمعناها لا بنصها لذلك عيسى - عليه السلام - يقول: " سأجعل كلامي في فمه " أي: أن كلام الله سيكون في فم الرسول بنصه ومعناه من عند الله، ما دام بنصه من عند الله فهو تنزيل رب العالمين. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ نزل به الروح... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤١٥٤