تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26.142-144

قال هنا أيضا: ﴿ أخوهم.. ﴾ [الشعراء: 142] ليرقق قلوبهم ويحننها على نبيهم ﴿ ألا تتقون ﴾ [الشعراء: 142] قلنا: إنها استفهام إنكاري. تعني: اتقوا الله، ففيها حث وحض على التقوى، فحين تنكر النفي، فإنك تريد الإثبات. ولما كانت التقوى تقتضي وجود منهج نتقي الله به، قال: ﴿ إني لكم رسول أمين ﴾ [الشعراء: 143] وما دمت أنا رسول أمين لن أغشكم ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ [الشعراء: 144] وكرر الأمر بالتقوى مرة أخرى، وقرنها بالطاعة.

26.145

فكأن العمل الذي أقدمه من أجلكم - في عرف العقلاء - يستحق أجرا، فالعامل الذي يعمل لكم شيئا جزئيا من مسائل الدنيا يزول وينتهي يأخذ أجرا عليه، أما أنا فأقدم لكم عملا يتعدى الدنيا إلى الآخرة، ويمد حياتك بالسعادة في الدنيا والآخرة، فأجري - إذن - كبير لذلك لا أطلبه منكم إنما من الله.

26.146

يريد أن يوبخهم: أتظنون أنكم ستخلدون في هذا النعيم، وأنتم آمنون، أو أنكم تأخذون نعم الله، ثم تفرون من حسابه، كما قال سبحانه:

أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون

[المؤمنون: 115]. فمن ظن ذلك فهو مخطىء قاصر الفهم لأن الأشياء التي تخدمك في الحياة لا تخدمك بقدرة منك عليها، فأنت لا تقدر على الشمس فتأمرها أن تشرق كل يوم، ولا تقدر على السحاب أن ينزل المطر، ولا تقدر على الأرض أن تعطيها الخصوبة لتنبت، ولا تقدر على الهواء الذي تتنفسه.. إلخ وهذه من مقومات حياتك التي لا تستطيع البقاء بدونها. وكان من الواجب عليك أن تتأمل وتفكر: من الذي سخرها لك، وأقدرك عليها؟ كالرجل الذي انقطع في الصحراء وفقد دابته وعليها طعامه وشرابه حتى أشرف على الهلاك، ثم أخذته سنة أفاق منها على مائدة عليها أطايب الطعام والشراب، بالله، أليس عليه قبل أن تمتد يده إليها إن يسأل نفسه: من أعد لي هذه المائدة في هذا المكان. كذلك أنت طرأت على هذا الكون وقد أعد لك فيه كل هذا الخير، فكان عليك أن تنظر فيه، وفيمن أعده لك. فإذا جاءك رسول من عند الله ليحل لك هذا اللغز، ويخبرك بأن الذي فعل كل هذا هو الله، وأن من صفات كماله كذا وكذا، فعليك أن تصدقه. لأنه إما أن يكون صادقا يهديك إلى حل لغز حار فيه عقلك، وإما هو كاذب - والعياذ بالله وحاشا لله أن يكذب رسول الله على الله - فإن صاحب هذا الخلق عليه أن يقوم ويدافع عن خلقه. ويقول: هذا الرسول مدع وكاذب، وهذا الخلق لي: فإذا لم يقم للخلق مدع فقد ثبتت القضية لله تعالى إلى أن يظهر من يدعيها لنفسه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤١٣٧