تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26.83

نلحظ أنه لم يدع بشيء من الدنيا، ومعنى ﴿ حكما.. ﴾ [الشعراء: 83] فرق بين الحكم والحكمة: الحكمة أن تضع الشيء في موضعه، أما الحكم فأن تعلم الخير أولا، ثم تعمل بما علمت ثانيا. وقال في دعائه: ﴿ هب لي.. ﴾ [الشعراء: 83] لأن الهبة عطاء دون مقابل، فكأنه قال: يا رب أنا لا أستحق، فاجعلها لي هبة من عندك ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ [الشعراء: 83] أي: ألحقني بهم في العمل والأسوة لأنال بعدها الجزاء، وليس المراد: ألحقني بهم في الجزاء، إنما في العمل. وقد أجابه الله تعالى في هذه الدعوة، فقال سبحانه:

وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض..

[الأنعام: 75]. والملكوت: المخلوقات غير المحسة، أطلعه الله عليها لأنه عمل بما علم من الملك المحس، وكذلك قال:

وإنه في الآخرة لمن الصالحين

[البقرة: 130] فأجابه في الدعوة الأخرى.

26.84

نعرف أن اللسان وسيلة التعبير، ومعنى ﴿ لسان صدق.. ﴾ [الشعراء: 84] يعني: ذكرا حسنا يذكر بحق، ويذكر بصدق، لا كما نفعل الآن حين نقيم ذكرى لأحد الأشخاص، فنظل نكيل له المدائح ونثني عليه بالصدق وبالكذب، وبما فعل وبما لم يفعل، فهذا ذكر، لكنه ذكر غير صادق ومخالف للحقيقة وللواقع. وسبق أن أوضحنا أن الصدق هو الكلام المطابق للواقع، وقد ورد هذا المعنى في الأمهات الخمس في القرآن الكريم، في قول الحق سبحانه وتعالى:

وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق..

[الإسراء: 80]. يعني: أدخلني بصدق - لا بغش يعني - مدخلا أستطيع منه الخروج، وكذلك أخرجني مخرج صدق. وفي قوله تعالى:

في مقعد صدق عند مليك مقتدر

[القمر: 55]. وفي قوله تعالى:

وعد الصدق الذي كانوا يوعدون

[الأحقاف: 16] هذه المواضع الخمس لكلمة الصدق. ومعنى: ﴿ في الآخرين ﴾ [الشعراء: 84] يعني: يتعدى الذكر الحسن مدة حياتي إلى من بعدي، فاجعل لي لسان صدق في المعاصرين، وفيمن يأتي بعدك أترك أثرا طيبا يذكر من بعدي لأن لي نصيبا من الخير والثواب في كل من اقتدى بي، وجعلني أسوة. وقد أجابه الله في هذه، فقال سبحانه:

وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم

[الصافات: 108-109].

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤١١٠