26.107
وقوله تعالى: ﴿ إني لكم رسول أمين ﴾ [الشعراء: 107] فإن كانت عندكم غفلة فقد رحم الله غفلتكم، ونبهكم برسول أمين يعظكم ويعلمكم ويبلغكم منهج الله، وهو أمين لن يغشكم في شيء حتى لا تقولوا: إنا كنا غافلين. وما دمت أنا مرسلا من الله إليكم، وأمينا عليكم وعلى دعوتي، فاسمعوا مني لذلك كرر الأمر بالتقوى: ﴿ فاتقوا الله... ﴾.
26.108
وكأنه يتصالح معهم، فيخفف من أسلوب النصح، ويأتي بالأمر صريحا بعد أن أتى به في صورة إنكار ألا يكونوا متقين. وثمرة التقوى طاعة الأوامر واجتناب النواهي، وهذه لا نعرفها إلا من الرسول حامل المنهج ومبلغ الدعوة والأمين عليها. وقد ترددت هذه الآية على ألسنة كثير من رسل الله: ﴿ إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون ﴾ [الشعراء: 107-108]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ومآ أسألكم عليه من أجر... ﴾.
26.109
هذه العبارة ﴿ ومآ أسألكم عليه من أجر.. ﴾ [الشعراء: 109] لم نسمعها على لسان إبراهيم عليه السلام، ولا على لسان موسى عليه السلام، فأول من قالها نوح عليه السلام، وكونك تقول لآخر: أنا لا أسألك أجرا على هذا العمل، فهذا يعني أنك تستحق أجرا على هذا العمل، وأنت غير زاهد في الأجر، إنما إن أخذته من المنتفع بعملك، فسوف يقومه لك بمقاييسه البشرية لذلك من الأفضل أن تأخذ أجرك من الله. فكأن نوحا عليه السلام يقول: أنتم أيها البشر لا تستطيعون أن تقوموا ما أقوم به من أجلكم لأنني جئتكم بمنهج هداية يسعدكم في الدنيا، وينجيكم في الآخرة، وأنتم لن تقوموا هذا العمل، وأجري فيه على الله لأنكم تعطون على قدر إمكاناتكم وعلمكم. وسبق إن حكينا لكم قصة الرجل الذي قابلناه في الجزائر، وكان رجلا تبدو عليه علامات الصلاح، وقد أشار لنا لنقف بسيارتنا ونحمله معنا، فلما توقفنا ليركب معنا مال إلى السائق، وقال على كم يعني: الأجرة فقال له الرجل، وكان المحافظ: نوصلك لله، فقال غلتها يا شيخ. نعم، إن كان الأجر على الله فهو غال. وفي آية أخرى يقول تعالى:
أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون
[الطور: 40]. ثم يقول: ﴿ إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ [الشعراء: 109] إن هنا بمعنى ما النافية لأنه تعالى القادر على أن يكافئني على دعوتي، فهو الذي أرسلني بها، وهو سبحانه رب العالمين الذي تبرع بالخلق من عدم، وبالإمداد من عدم، وخلق لي ولكم الأرزاق، وهذا كله لصالحكم لأنه سبحانه لا ينتفع من هذا بشيء. والربوبية تقتضي عناية، وتقتضي نفقة وخلقا وإمدادا، فصاحب كل هذه الأفضال والنعم هو الذي يعطيني أجري.