26.81
فلم يقل؟ هنا: يميتني أو هو يحييني لأن الحياة والموت بيده تعالى لا يدعيها أحد، فإن قلت: وماذا عن قتل الإنسان لغيره ألا يعد موتا؟ وقد سبق أن أوضحنا الفرق بين الموت والقتل، بدليل قوله تعالى:
وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم..
[آل عمران: 144]. فالموت أن تخرج الروح، والجسم سليم الأجزاء كامل الأعضاء، وبعد خروج الروح تنقض البنية، أما القتل فيكون بنقض البنية نقضا يترتب عليه خروج الروح. إذن: الموت لم يدعه أحد لنفسه، ولما ادعاه النمرود جادله إبراهيم - عليه السلام - في ذلك، وكشف زيف هذا الادعاء، كما قال تعالى:
ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت..
[البقرة: 258]. ولم يفعل إلا أن جاء برجل فأمر بقتله، ثم عفا عنه لذلك رأى إبراهيم عليه السلام أن يقطع عليه هذا الطريق، فقال:
فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر..
[البقرة: 258]. وهكذا أنهى هذه السفسطة، وكشف حقيقة هذا المكابر المعاند. وتأمل حرف العطف ﴿ يميتني ثم يحيين ﴾ [الشعراء: 81] وثم تفيد العطف مع التراخي، ولم يقل: ويحيين لأن الواو تفيد مطلق العطف، وبين الموت والإحياء الآخر مسافة طويلة، ألا ترى قوله تعالى:
ثم أماته فأقبره * ثم إذا شآء أنشره
[عبس: 21-22].