26.70
فأول دعوته كانت لأبيه، وأقرب الناس إليه لا للغريب، والدعوة التي توجه أولا للقريب لا بد أنها دعوة حق ودعوة خير لأن الإنسان يحب الخير أولا لنفسه، ثم لأقرب الناس إليه، ولو كانت في خيريتها شك لقصد بها الغرباء والأباعد عنه. والمراد بأبيه هو آزر الذي ورد ذكره في موضع آخر. وسؤاله لأبيه وقومه ﴿ ما تعبدون ﴾ [الشعراء: 70] سؤال استهجان واستنكار، وسؤال استدلال ليظهر لهم بطلان هذه العبادة لأن العبادة أن يطيع العابد المعبود فيما أمر وفيما نهى، فالذين يعبدون الأصنام بماذا أمرتهم وعم نهتهم؟ إذن: فهي آلهة دون منهج، وما أسهل أن يعبد الإنسان مثل هذا الإله الذي لا يأمره بشيء، ولا ينهاه عن شيء، وكذلك هي آلهة دون جزاء ودون حساب لأنها لا تثيب من أطاعها، ولا تعاقب من عصاها. إذن: فكلمة عباده هنا خطأ، ومع ذلك يسميها الناس آلهة، لماذا؟ لأن الإله الحق له أوامر لا بد أن تنفذ، وإن كانت شاقة على النفس، وله نواه لا بد أن تترك وإن كانت النفس تشتهيها، فهي عبادة شاقة، أما عبادة الأصنام فما أسهلها، فليس عندها أمر ولا نهي، وليس عندها منهج ينظم لهم حركة الحياة لذلك تمسك هؤلاء بعبادة الأصنام، وسموها آلهة، وهذا خبل واضح. كما أن الإنسان في مجال العبادة إذا عزت عليه أسباب الحياة وأعيته الحيل، أو خرجت عن طاقته، عندها يجد له ربا يلجأ إليه، ويستعين به فيقول: يا رب. فماذا عن عابد الأصنام إذا تعرض لمثل هذه المسائل؟ هل يتوجه إليها بالدعاء؟ وهب أنه يدعو إنسانا مثله يمكن أن يسمعه أيستجيب له؟ لذلك يقول سبحانه:
قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون
[الشعراء: 71-73]. إذن: فعبادة غير الله حمق وغباء. لكن هذا البحث من إبراهيم، وهذا الجدل مع أبيه وقومه، أكان بعد الرسالة أم قبلها؟ قالوا: إن إبراهيم - عليه السلام - كان ناضجا متفتحا منذ صغره، وكان منكرا لهذه العبادة قبل أن يرسل، لذلك قال الله عنه:
ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين
[الأنبياء: 51]. وكذلك كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته كارها للأصنام، معترضا على عبادتها، يتعجب حين يرى قومه يعبدونها، وقد رأى صلى الله عليه وسلم أحد الآلهة وقد كسر ذراعه فاستعانوا بمن يصلح ذراع الإله، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعجب لما يرى: العابد يصلح المعبود؟ بعدها اعتزلهم رسول الله، ولجأ إلى الغار يفكر في الإله الحق والمعبود الحق. فكأن أي دين يأمر الله به لو تفكر فيه الإنسان برشد لانتهى إلى الحق بدون رسول لأن دين الله هو دين الفطرة السليمة، فإن توفرت لدى الإنسان هذه الفطرة اهتدى بها إلى الحق.
بدليل ما كان يحدث من عمر - رضي الله عنه - وكان يحدث رسول الله بالأمر، فتتنزل به الآيات من عند الله، وقد وافقت الآيات رأيه في أكثر من موقف، وقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ليبين لنا أن العقل السليم والفطرة المستقيمة يمكن أن ينتهيا إلى قضايا الدين دون رسول. وتستطيع أنت أن تعرض أي قضية من قضايا الدين على العقل السليم، وسوف تجد أنها طيبة وجميلة توافق الذوق السليم والتفكير السوي، فالكذب مثلا خلق يأباه العقل ويأباه الدين، وكذلك الرشوة لأنك بها تأخذ ما ليس لك، وقد يسلط عليك راش، فيأخذ منك حقك، كما أخذت أنت حقوق الناس. ولو تأمل العقل مثلا تحريم النظر إلى المحرمات، لوجد أن الدين قيد نظرك وأنت فرد، وقيد من أجلك نظر الناس جميعا، فكما طلب منك طلب لك، وكذلك الأمر في تحريم السرقة والقتل.. إلخ. وقد سئلنا في إحدى الرحلات عن قوله تعالى:
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله..
[التوبة: 33] ومرة يقول: