26.188
فهو سبحانه العليم بكم: إن كنتم أهلا للتوبة والندم والأمل، أن تتوبوا فلن يصيبكم العذاب، أو كنتم مصرين على العصيان والتكذيب، فسوف يصيبكم عذاب الهلاك والاستئصال، فأنا لن أحكم عليكم بشيء لأنني بشر مثلكم لا أعرف ما في نياتكم لذلك سأكل أمركم إلى ربكم - عز وجل - الذي يعلم أمري وأمركم، وسري وسركم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فكذبوه فأخذهم عذاب... ﴾.
26.189
فكيف يكذبونه، وهو لم ينسب الأمر لنفسه، ووكلهم إلى ربهم إذن: فهم لا يكذبونه إنما يكذبون الله لذلك يأتي الجزاء: ﴿ فأخذهم عذاب يوم الظلة.. ﴾ [الشعراء: 189]. وهو عذاب يوم مشهود، حيث سلط الله عليهم الحرارة الشديدة سبعة أيام، عاشوها في قيظ شديد، وقد حجز الله عنهم الريح إلا بمقدار ما يبقي رمق الحياة فيهم، حتى اشتد عليهم الأمر وحميت من تحتهم الرمال، فراحوا يلتمسون شيئا يروح عنهم، فرأوا غمامة قادمة في جو السماء فاستشرفوا لها وظنوها تخفف عنهم حرارة الشمس، وتروح عن نفوسهم، فلما استظلوا بها ينتظرون الراحة والطمأنينة عاجلتهم بالنار تسقط عليهم كالمطر. على حد قول الشاعر:
كما أمطرت يوما ظماء غمامة
فلما رأؤها أقشعت وتجلت
ويا ليت هذه السحابة أقشعت وتركتهم على حالهم، إنما قذفتهم بالنار والحمم من فوقهم، فزادتهم عذابا على عذابهم. كما قال سبحانه في آية أخرى:
فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم..
[الأحقاف: 24-25]. لذلك وصف الله عذاب هذا اليوم بأنه ﴿ إنه كان عذاب يوم عظيم ﴾ [الشعراء: 189] فما وجه عظمته وهو عذاب؟ قالوا: لأنه جاء بعد استبشار واسترواح وأمل في الراحة، ففاجأهم ما زادهم عذابا، وهذا ما نسميه " يأس بعد إطماع " وهو أنكى في التعذيب وأشق على النفوس.