26.215
بعد أن أمره بالشدة على أهله وقرابته يأمره باللين، وخفض الجناح لباقي المؤمنين به، وخفض الجناح كناية عن اللطف واللين في المعاملة، وقد أخذ هذا المعنى من الطائر حين يحنو على فراخه، ويضمهم بجناحه. وخفض الجناح دليل الحنان، لا الذلة والانكسار، وفي المقابل نقول فلان فارد أجنحته إذا تكبر وتجبر، وتقول فلان مجنح لي إذا عصا أوامرك. وفي موضع آخر:
واخفض جناحك للمؤمنين
[الحجر: 88]. وقال في حق الوالدين:
واخفض لهما جناح الذل من الرحمة..
[الإسراء: 24] فلا نقول: كن ذليلا لهم، إنما كن رحيما بهم، حنونا عليهم، ففي هذا عزك ونجاتك.
26.216
فإن عصاك الأقارب فلا تتردد في أن تعلنها ﴿ إني بريء مما تعملون ﴾ [الشعراء: 216] وعندها لا تراعي فيهم حق الرحم، ولا حق القربى، لأنه لا حق لهم لذلك قال ﴿ فقل.. ﴾ [الشعراء: 216] ولم يقل تبرأ منهم لأنه قد يتبرأ منهم فيما بينه وبينهم. لكن الحق - تبارك وتعالى - يريد أن يعلنها رسول الله على الملأ ليعلمها الجميع، وربنا يعلمنا هنا درسا حتى لا نحابي أحدا، أو نجامله لقرابته، أو لمكانته حتى تستقيم أمور الحياة. والذي يفسد حياتنا وينشر فيها الفوضى واللا مبالاة أن ننافق ونجامل الرؤساء والمسئولين، ونغطي على تجاوزاتهم، ونأخذهم بالهوادة والرحمة، وهذا كله يهدم معنويات المجتمع، ويدعو للفوضى والتهاون. لذلك يعلمنا الإسلام أن نعلنها صراحة ﴿ فقل إني بريء مما تعملون ﴾ [الشعراء: 216] وليأخذ القانون مجراه، وليتساوى أمامه الجميع، ولو عرف المخالف أنه سيكون عبرة لغيره لارتدع. لذلك يقال عن عمر رضي الله عنه أنه حكم الدنيا كلها، والحقيقة أنه حكم نفسه أولا، فحكمت له الدنيا، وكذلك من أراد أن يحكم الدنيا في كل زمان ومكان عليه أن يحكم نفسه، فلا يجرؤ أحد من أتباعه أن يخالفه، وساعة أن يراه الناس قدوة ينصاعون له بالسمع والطاعة.