تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26.30

يعني: إذا لم تقنع بكل الحجج السابقة، فهل لو جئتك بآية واضحة دالة على صدق رسالتي، أتجعلني أيضا من المسجونين؟

26.31

انظر إلى تعارض فرعون مع نفسه، فكان عليه ساعة أن يسمع من موسى هذا الكلام أن يصر على سجنه، لكن الحق - تبارك وتعالى - يريد أن يظهر حجته، فيجعل فرعون هو الذي يطلبها بنفسه ﴿ قال فأت به إن كنت من الصادقين ﴾ [الشعراء: 31] وما كان لموسى أن يأتي بآية إلا أن يطلبها منه فرعون.

26.32

إلقاء العصا له في القرآن ثلاث مراحل: الأولى: هي التي واكبت اختيار الله لموسى ليكون رسولا، حين قال له:

وما تلك بيمينك يموسى

[طه: 17] وقلنا: إن موسى عليه السلام أطال في إجابة هذا السؤال لحرصه على إطالة مدة الأنس بالله - عز وجل - فقال:

هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى

[اطه: 18]. فالعصا في نظر موسى - عليه السلام - عود من الخشب قريب عهد بأصله، كغصن في شجرة، لكنها عند الله لها قصة أخرى:

قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى

[طه: 19-20]. وما صارت العصا عصا إلا بعد أن قطعت من شجرتها، وفقدت الحياة النباتية، وتحولت إلى جماد، فلو عادت إلى أصلها وصارت شجرة من جديد لكان الأمر معقولا، لكنها تجاوزت مرتبة النباتية، وتحولت إلى الحيوانية، وهي المرتبة الأعلى لذلك فزع منها موسى وخاف فطمأنه ربه:

قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى

[طه: 21]. وكانت هذه المرة بمثابة تدريب لموسى عليه السلام ليألف العصا على هذه الحالة، وكأن الله تعالى أراد لموسى أن يجري هذه التجربة أمامه، ليكون على ثقة من صدق هذه الآية، فإذا ما جاء لقاء فرعون ألقاها دون خوف، وهو واثق من نجاحه في هذه الجولة. إذن: كان الإلقاء الثاني للعصا أمام فرعون وخاصته، ثم كان الإلقاء للمرة الثالثة أمام السحرة. ومعنى ﴿ ثعبان مبين ﴾ [الشعراء: 32] يعني: بين الثعبانية، فيه حياة وحركة، وقال ﴿ ثعبان مبين ﴾ [الشعراء: 32] يعني: واضح للجميع لأنهم كانوا يجيدون هذه المسألة ويخيلون للناس مثل هذه الأشياء، ويجعلونها تسعى وتتحرك، ولم تكن عصا موسى كذلك، إنما كانت ثعبانا مبينا واضحا وحقيقيا لا يشك في حقيقته أحد. والمتتبع للقطات المختلفة لهذه الحادثة في القرآن الكريم يجد السياق يسميها مرة ثعبانا، ومرة حية، ومرة جانا، لماذا؟ قالوا: لأنها جمعت كل هذه الصفات: فهي خفة حركتها كأنها جان، وفي شكلها المرعب كأنها حية، وفي التلوي كأنها ثعبان. والجان: فرخ الحية. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ونزع يده فإذا هي بيضآء... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٠٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٠٨٧