تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26.71

إذن: شهد شاهد من أهلها، وقالوا بأنفسهم ﴿ نعبد أصناما.. ﴾ [الشعراء: 71] والعبادة طاعة، فماذا قالت لهم الأصنام؟ وبماذا أمرتهم؟ طبعا، ليس عندهم جواب. وليت الأمر يقف عند العبادة، إنما ﴿ فنظل لها عاكفين ﴾ [الشعراء: 71] أي: قائمين على عبادته ليل نهار، نعم ولكم حق لأنها آلهة دون تكليف، وعبادة بلا مشقة وبلا التزام، إنها بلطجة تأخذون فيها حظ أنفسكم، وتفعلون معها ما تريدون. لكن، كيف جادلهم إبراهيم عليه السلام؟ وبم رد عليهم؟ ﴿ قال هل يسمعونكم... ﴾.

26.72-73

فالأصنام لا تسمع من توجه إليها بالدعاء، ولا تنفع من عبدها، ولا تضر من كفر بها لذلك لم يجدوا ردا، وحاروا جوابا، ولم يجدوا حجة إلا أن قالوا: ﴿ قالوا بل وجدنآ... ﴾.

26.74

إذن: أنتم لم تحكموا عقولكم في هذه المسألة، كما قالوا في موضع آخر:

إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون

[الزخرف: 23]. ونقول لهم: ومتى ظللتم على تقليد آبائكم فيما يفعلون؟ إنكم لو أقمتم على تقليد الآباء ما ارتقيتم في حياتكم أبدا، فلماذا إذن تحرصون على التقليد في هذه المسألة بالذات دون غيرها.

26.75-77

يقول إبراهيم عليه السلام: لا تلقوا بالمسألة على الآباء، وتعلقوا عليهم أخطاءكم، ثم يعلنها صريحة متحدية كأنه يقول لهم: الحمرة في خيلكم اركبوها. ﴿ فإنهم عدو لي.. ﴾ [الشعراء: 77] وكلمة عدو جاءت مفردة مع أنها مسبوقة بضمير جمع وتعود على جمع ﴿ فإنهم.. ﴾ [الشعراء: 77] ومع ذلك لم يقل: أعداء لي. قالوا: لأن العداوة في أمر الدين واحدة على خلاف العداوة في أمر الدنيا لأنها متعددة الأسباب، كما جاء في قوله تعالى:

واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم..

[آل عمران: 103]. فجاءت:

أعدآء..

[آل عمران: 103] هنا جمع لأنها تعود على عداوة الدنيا، وهي متعددة الأسباب، أما العداوة في الدين فواحدة على قلب رجل واحد. ومن ذلك ما قلناه في سورة النور عند قوله تعالى:

ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم..

[النور: 61]. كلها بصيغة الجمع إلا في

صديقكم..

[النور: 61] جاءت بصيغة المفرد لأن الصداقة الحقة هي ما كانت لله غير متعددة الأغراض، فهي إذن لا تتعدد. وفي إعلان إبراهيم لعداوته لهذه الأصنام تحد لهم: فها أنا ذا أعلن عداوتي لهم، فإن كانوا يقدرون على مضرتي فليفعلوا. وبعد أن أعلن إبراهيم - عليه السلام - عداوته للأصنام نجحت دعوته، وظل إبراهيم هو إبراهيم لم يصبه شيء.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤١٠٦