وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم
[الذاريات: 19] ولم يقل معلوم لأن المراد هنا الصدقة المطلقة، وقد تركها الحق - تبارك وتعالى - ولم يقيدها ليترك الباب مفتوحا أمام أريحية المعطي، ومدى كرمه وإحسانه لذلك جاءت هذه الآية في سياق الحديث عن صفات المحسنين:
إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من اليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم
[الذاريات: 15-19]. ولأن الحق هنا تفضل وزيادة تركه الشارع الحكيم دون تحديد. وعجيب أن نرى أصحاب الأموال حين يخرج أحدهم ربع العشر مثلا من ماله، لا ينظر إلى ما تبقى له من رأس المال، وهي نسبة 97.5%، وينظر إلى حق الفقير وهو يسير 2.5%. فنراه يحتال عليه فيؤثر به أقاربه أو معارفه، أو يضعه بحيث يعفيه من حق آخر، كالذي يعطي زكاته للخادمة مثلا، ليرضي أمها حتى لا تأخذها من يده، ومنهم من يضع أموال الزكاة في بناء مسجد أو مدرسة أو مستشفى وهذا كله لا يجوز لأن مال الزكاة حق للمستحقين المعروفين نصا في كتاب الله، ولا يصح أن يوجه مال الزكاة لشيء ينتفع به الغني أبدا. ثم يقول سبحانه: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ [الشعراء: 183] عثا: أي أفسد. فالمعنى: لا تفسدوا في الأرض، فلماذا كرر الإفساد مرة أخرى فقال ﴿ مفسدين ﴾ [الشعراء: 183]؟ قالوا: المراد: لا تعثوا في الأرض حالة كونكم مفسدين، أو في نيتكم الإفساد.
وليس في الآية تكرار لأنه فرق بين إفساد شيء وأنت لا تقصد إفساده، إنما حركتك في الحياة أفسدته، وبين أن تفسد عن قصد وعمد للإفساد، حتى لا نمنع العقول أن تفكر وتجرب لتصل إلى الأفضل، وتثري حركة الحياة، فما دمت قد قصدت الصلاح، فلا عليك إن أخطأت لأن ربك - عز وجل - يتولى تصحيح هذا الخطأ، بل ويعوضك عنه، فمن اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب فله أجران. إذن: المعنى: لا تفسدوا في الأرض وأنتم تقصدون الإفساد، لكن فكيف نفسد الأرض؟ إن إفساد الأرض يعني إفساد المتحرك عليها لأن الأرض خلقت للإنسان
والأرض وضعها للأنام
[الرحمن: 10]. وقد خلقها الله تعالى على هيئة الصلاح، والإنسان هو الذي يفسدها، بدليل أنك لا تجد الفساد إلا فيما للإنسان دخل فيه، أما ما لا تطوله يده، فيظل على صلاحه، وعلى استقامته وسلامته. والإنسان الذي خلقه الله وجعله خليفة له في أرضه طلب منه عمارة هذه الأرض وزيادة صلاحها، تحقيقا لقول ربه عز وجل:
هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..
[هود: 61]. ولا يصلح أن نستعمر الأرض وهي خراب، فإذا ما كثر النسل لا يقابل زيادة في استثمار الأرض، فتحدث الأزمات، ولو أن استثمار الأرض وإصلاحها سار مع زيادة النسل في خطين متوازيين لما شعر الناس بالحاجة والضيق، ولما أحاطت بهم الأزمات. والآن حين تسير في الطريق الصحراوي مثلا تجد المزارع في الصحراء، وتجد القرى الجديدة تحولت فيها الأرض الجرداء إلى خضرة ونماء، فأين كانت هذه الثورة؟ لقد كنا كسالى وفي غفلة حتى عضنا الجوع، وضاقت بنا الأرض الخضراء في الوادي والدلتا. وإذا لم يصلح الإنسان في الأرض فلا أقل من أن يتركها على حالها الذي خلقها الله عليه. لكن رأينا الإنسان يفسد الماء ويلوثه حين يصرف فيه مخلفاته ويفسد الهواء بعادم السيارات والمصانع، ويفسد التربة بالكيماويات والمبيدات، وكل هذا الإفساد خروج عن الطبيعة الصافية التي خلقها الله لنا ذلك لأننا نظرنا إلى النفع العاجل، وأغفلنا الضرر الآجل. لقد خلق الله لنا وسائل الركوب والانتقال، وجعلها آمنة لا ضرر منها:
والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة..
[النحل: 8]. وقال:
وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس..
[النحل: 7] نعم، وسائل النقل الحديث أسرع، وأراحت هذه المواشي، لكنها أتعبت الإنسان الذي خلق الله الكون كله لراحته. فترى الرجل يركب سيارته وكل همه أن يسرع بها دون أن يهتم بضبطها وصيانتها، فينطلق بها مخلفا سحابة من الدخان السام الذي يؤذي الناس، أما هو فغير مكترث بشيء لأن الدخان خلفه لا يشعر به.