تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26.46

لم يقل الحق سبحانه: فسجد السحرة، إنما ﴿ فألقي السحرة ساجدين ﴾ [الشعراء: 46] والإلقاء يدل على سرعة الاستجابة، وأن السجود تم منهم دون تفكير لأنه أمر فوق إرادتهم، وكأن جلال الموقف وهيبته وروعة ما رأوا ألقاهم على الأرض ساجدين لله، صاحب هذه الآية الباهرة لذلك لم يقولوا عندها آمنا برب موسى وهارون، إنما قالوا: ﴿ قالوا ءامنا برب... ﴾.

26.47-48

وحين نتأمل رد فعل السحرة هنا نجد أنهم خروا لله ساجدين أولا، ثم أعلنوا إيمانهم ثانيا، ومعلوم أن الإيمان يسبق العمل، وأن السجود لا يتأتى إلا بعد إيمان، فكيف ذلك؟ قالوا: هناك فرق بين وقوع الإيمان، وبين أن تخبر أنت عن الإيمان، فالمتأخر منهم ليس الإيمان بل الإخبار به لأنهم ما سجدوا إلا عن إيمان واثق ينجلي معه كل شك، إيمان خطف ألبابهم وألقاهم على الأرض ساجدين لله، حتى لم يمهلهم إلى أن يعلنوا عنه، لقد أعادهم إلى الفطرة الإيمانية في النفس البشرية، والمسائل الفطرية لا علاج للفكر فيها. وكأن سائلا سألهم: لم تسجدون؟ قالوا: ﴿ آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون ﴾ [الشعراء: 47-48]. وقالوا: رب موسى وهارون بعد رب العالمين، ليقطعوا الطريق على فرعون وأتباعه أن يقول مثلا: أنا رب العالمين، فأزالوا هذا اللبس بقولهم ﴿ رب موسى وهارون ﴾ [الشعراء: 48]. ومثال ذلك قول بلقيس عندما رأت عرشها عند سليمان - عليه السلام - لم تقل: أسلمت لسليمان، إنما قالت:

وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين

[النمل: 44] فأنا وأنت مسلمان لإله واحد هو الله رب العالمين، وهكذا يكون إسلام الملوك، وحتى لا يظن أحد أنها إنما خضعت لسليمان لذلك احتاطت في لفظها لتزيل هذا الشك.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٠٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٠٩٤