واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا..
[البقرة: 48]. والأخرى:
واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا..
[البقرة: 123]. إذن: فصدر الآيتين متفق، أما عجز الأولى:
ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل..
[البقرة: 48]. وعجز الأخرى:
ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة..
[البقرة: 123] فهما مختلفتان. وحين تتأمل صدري الآيتين الذي تظنه واحدا في الآيتين تجد أنه مختلف أيضا، نعم هو متحد في ظاهره، لكن حين تتأمله تجد أن الضمير فيهما: إما يعود على الشافع، وإما يعود على المشفوع له، فإن عاد الضمير على المشفوع له نقول له: لا نأخذ منك عدلا، ولا تنفعك شفاعة، وإن عاد الضمير على الشافع نقول له: لا نقبل منك شفاعة - ونقدم الشفاعة أولا - ولا نأخذ منك عدلا. إذن: ليس في الآيتين تكرار كما تظنون، فكل منهما يحمل معنى لا تؤديه الآية الأخرى. وقد أوضحنا هذه المسألة أيضا في قوله تعالى:
ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق..
[الإسراء: 31]. والأخرى:
ولا تقتلوا أولادكم من إملاق..
[الأنعام: 151]. فصدرا الآيتين مختلف، وكذلك العجز مختلف، فعجز الأولى:
نحن نرزقهم وإياكم..
[الإسراء: 31]. وعجز الأخرى:
نحن نرزقكم وإياهم..
[الأنعام: 151]. وحين نتأمل الآيتين نجد أن لكل منهما معناها الخاص بها، وليس فيهما تكرار كما يظن البعض. ففي الآية الأولى:
ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق..
[الإسراء: 31] إذن: فالفقر غير موجود، والأب يخاف أن يأتي الفقر بسبب الأولاد، فهو مشغول برزق الولد، لا برزقه هو لأنه غني غير محتاج لذلك قدم الأولاد في عجز الآية، كأنه يقول للأب: اطمئن فسوف نرزق هؤلاء الأولاد أولا، وسوف ترزق أنت أيضا معهم. أما في الآية الأخرى:
ولا تقتلوا أولادكم من إملاق..
[الأنعام: 151] فالفقر في هذه الحالة موجود فعلا، وشغل الأب برزق نفسه أولى من شغله برزق ولده لذلك قال في عجز الآية:
نحن نرزقكم وإياهم..
[الأنعام: 151] فقدمهم على الأولاد. إذن: لكل آية معناها الذي لا تؤديه عنها الآية الأخرى. ثم يقول الحق سبحانه عنهم أنهم قالوا: ﴿ فلو أن لنا كرة... ﴾.