تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا...

[محمد: 16]. ويقول:

والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى...

[فصلت: 44]. إذن: الفاعل شيء، والقابل شيء آخر. هم سمعوا القرآن بدليل أن الحق يقول: ﴿ وإذا مآ أنزلت سورة ﴾ وسياق الآية يوحي لنا أن هناك همسا من بعضهم: ﴿ أيكم زادته هذه إيمانا ﴾ وهذا الهمس يأتي بلهجة المستهزئ، وقائل الهمس يعني أن سماعه للقرآن لم يزد شيئا عنده، ولم ينقص، وهو يهمس لمنافق مثله، أو لضعيف الإيمان ﴿ أيكم زادته هذه إيمانا ﴾ فيرد الله على القضية النفسية، ويعلمنا أنه سبحانه قد قسم الناس قسمين: قسم كافر أو منافق، وهذا القسم يزيده القرآن كفرا، أما القسم المؤمن فاستقباله للقرآن يزيد من إيمانه.

إذن: الفاعل شيء والقابل مختلف. ووقف العلماء أمام هذه الآية موقفا فيه اختلاف بينهم ﴿ وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ﴾ فقال بعضهم: إن الإيمان ينقص ويزيد، وقال بعضهم: إن الإيمان لا ينقص ولا يزيد، وقامت معركة بين علماء الكلام، ولا تتسرب معركة بين عقلاء إلا إذا كانت جهة الفهم في الأمر الذي يختلفون فيه منفكة، فمنهم من يذهب فكره إلى ناحية، ومنهم من يتجه فكره إلى ناحية أخرى. فالذين قالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فلحظة أن يتألق الإيمان في القلب يستقر فيه، وهو الإيمان بالله، وأن لا إله إلا الله ولا معبود سواه، وأن محمدا رسوله المبلغ عنه هذا الإيمان لا يزيد ولا ينقص. والمثال: هو قول الإمام على كرم الله وجهه: لو انكشف عني الحجاب ما ازددت يقينا. أما العلماء الذين قالوا بأن الإيمان يزيد ولا ينقص، فقد قصدوا بذلك تطبيق مستلزمات الإيمان من الآيات، فكل آية تحتاج ممن يصدقها أن يكون مؤمنا بالله أولا، ثم ينفذ متطلبات الآية. وكل المسلمين مؤمنون بالله، ولكن في جزئيات التطبيق نجد من يطبق عشرين جزئية وآخر يطبق ثلاثين، أما أصل الإيمان الذي استقبل به الإنسان التكليف وهو التوحيد، فلا يزيد أو ينقص. وهؤلاء المنافقون عندما قالوا: ﴿ أيكم زادته هذه إيمانا ﴾ هل تداولوا ذلك سرا أم قالوه علنا؟ لا بد أنهم قالوا ذلك سرا وفضحهم الحق سبحانه، وكان يكفي أن يعلموا أن الله يخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بكل ما يكتمونه، ولكنهم احترفوا اللجاجة لذلك قالوا: ﴿ أيكم زادته هذه إيمانا ﴾. ويرد الحق سبحانه: ﴿ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ﴾ و " يستبشر " أي: يملأ السرور بشرته، فترى البريق، والفرحة، والانبساط. وكلها من علامات الاستبشار، ومن يستبشر بآية من آيات الحق فهو الذي يفهم من الآية شيئا جديدا يدخل على نفسه السرور ولذلك فهو يرتاج لنزول تكليفات إيمانية جديدة، ليعظم ويزداد ثوابه، وهو غير ذلك الذي يكره أن ينزل حكم جديد من الله. هذا هو معنى " يستبشر ". أما الآخرون فيقول الحق سبحانه عنهم: ﴿ وأما الذين في قلوبهم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٤٧