وإن جندنا لهم الغالبون
[الصافات: 173]. هذه قضية قرآنية، حدثت من قبل وثبتت في الكون. وماذا بعد أن اشترى الله من المؤمنين أموالهم وأنفسهم؟ هنا يحدد الحق المهمة أمامهم: ﴿ يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ﴾ و " قاتل " ، من " فاعل " ، و " قتل " غير " قاتل ". فالقتل عمل من جهة واحدة، لكن " قاتل " تقتضي مفاعلة، مثلها مثل " شارك زيد عمرا ". وكل مادة " فاعل " و " تفاعل " توضح لنا الشركة في الأمر، فكل واحد منهم فاعل، وكل واحد منهم مفعول. ولذلك تجد في أساليب العرب ما يدلك على أن ملحظ الفاعلية في واحد هو الغالب، وملحظ المفعولية في الآخر هو الغالب، ولكن على التحقيق فإن كل واحد منهم فاعل من جهة، ومفعول من الجهة الأخرى. فمثلا: الرجل الذي سار في الصحراء التي فيها حيات وثعابين، ولم يهج الرجل أثناء سيره الحيات ولا الثعابين، بل تجنبها، والثعبان ما دمت لا تهيجه فهو لا يفرز سما لأن سم الثعبان لا يفرز إلا دفاعا. وساعة يرى الثعبان أنك ستواجهه يستعمل سمه، فإذا كان الرجل سائرا وله قدرة المحافظة على عدم إهاجة الثعابين ولا الحيات، فهو قد " سالمها " ، والشاعر يقول:
قد سالم الحيات منه القدما
والأفعوان والشجاع الشجعما
والأفعوان هو الثعبان الفظيع، ونلحظ أن " الأفعوان " منصوب، وأن " الحيات " مرفوعة، إذن: فالقدم مفعول، والحيات فاعل وجاء بالقدم منصوبة، وكذلك الشجعم لما في الحيات من المفعولية لأن الحيات إذا سالمت القدم فقد سالمها القدم، فكأنه قال: سالم القدم الحيات، ثم جعل الأفعوان بدلا منها. وهنا يقول الحق: ﴿ بأن لهم الجنة يقاتلون ﴾ فمن يقاتل: إما أن يقتل وإما أن يقتل، وفي قراءة الحسن يقدم الثانية على الأولى، ويقول: " فيقتلون ويقتلون " فالمسألة صفقة بمقتضى قوله: ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ لذلك يقدم قتلهم، وهو الأقرب لمعنى الصفقة. وأيضا فإن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وإذا ما جاء المؤمنون في جانب والكفار في جانب آخر فالمؤمنون بنيان، والحق هو القائل:
إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص
[الصف: 4]. فإذا ما سبق قوم من المؤمنين بأن يقتلوا، فكأن الكل قتل. إذن: فحين قتل بعض المؤمنين، يمكننا أن نقرأ قول الحق على قراءة الحسن ونقول: " فيقتلون ويقتلون ". أو: أنهم حينما دخلوا إلى القتال وضعوا في أنفسهم أن يقتلوا، ولم يغلبوا جانب السلامة. وكلنا نعرف قصة الصحابي الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس بيني وبين الجنة إلا أن ألقى هؤلاء فيقتلوني؟ قال له: " نعم " فأخرج الصحابي تمرة كانت في فمه، ودخل إلى القتال وكأنه يستعجل الجنة. ﴿ وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ ، وهذا تأكيد بأن لهم الجنة، وهو وعد من الحق في التوراة والإنجيل والقرآن لمن يدخلون المعارك دفاعا عن الإيمان. وكل دين في وقته له مؤمنون به، ويدخلون المعارك دفاعا عنه. إذن: فالقتال في سبيل نصرة الدين والدفاع عنه ليس مسألة مقصورة على المسلمين، لكنها لم تكن عامة عند الرسل، فقد كان الحق سبحانه وتعالى هو الذي يتدخل لعقاب أهل الكفر، وكان الرسول يبلغ، فإذا لم يستجب له قومه عاقبهم الله سبحانه، والقرآن يقول:
فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا...
[العنكبوت: 40]. ولم تأت مسألة القتال في سبيل الله إلا عندما طلب اليهود من بعد سيدنا موسى عليه السلام أن يقاتلوا في سبيل الله:
ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله...
[البقرة: 246]. إذن: فهذا وعد من الله في التوراة للذين آمنوا بموسى عليه السلام، وطالبوا بالقتال في سبيل الله، وكذلك في الإنجيل للذين آمنوا بعيسى عليه السلام، وأخيرا في القرآن للذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. أو: أن هذا الوعد خاص بأمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنها الأمة المأمونة للدفاع عن كلمة الله بالمجهود البشري.