وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا
[مريم: 15]. لأنه يريد أن يكثر السلام. وحين تكلم عيسى عليه السلام عن نفسه قال:
والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا
[مريم: 33]. وحين يلقاك إنسان فهو يقول لك: " سلام عليكم " ، وأنت ترد: " وعليكم السلام " ، لماذا؟ لأن " سلام عليكم " معناها أن السلام مني يكون عليك وعلى غيرك، أما ردك " وعليكم السلام " فيعني أنك خصصته بهذا السلام. وهنا الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها زادت في التحية حيث يقول الحق سبحانه: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ﴾ وهذا لأن الذي يحب أن يكون طاهرا دائما، قد أنس بفيوضات الله عليه، وما دامت ذراته كلها طاهرة من النجاسات المعنوية ومن النجاسات الحسية يصبح جهاز استقبال الفيوضات من الله عنده صالحا دائما للاستقبال، والحق سبحانه وتعالى يرسل إمداداته في كل لحظة، ولا تنتهي إمداداته على الخلق أبدا، وسبحانه يصف نفسه بأنه القيوم فاطمئنوا أنتم، فإن كنتم تريدون أن تناموا فناموا فربكم لا تأخذه سنة ولا نوم.
إذن: فقد جاء الإيمان ليريحنا لا ليتعبنا، كما أنه سبحانه يصف نفسه:
بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء...
[المائدة: 64]. أي: يطمئن الخلق أنهم بمجرد إيمانهم ستأتيهم إمدادات الله وفيوضاته المعنوية والمادية. فصحح جهاز استقبالك بألا توجد فيه نجاسة حسية أو نجاسة معنوية ولذلك إذا رأيت إنسانا عنده فيوضات من الحق فاعلم أن ذرات جسمه مبنية من حلال، ولا توجد به قذارة معنوية، ولا قذارة حسية، ويتضح ذلك كله على ملامح وجهه، وكلماته، وحسن استقباله. وإن كان أسمر اللون فتجده يأسرك ويخطف قلبك بنورانيته. وقد تجد إنسانا أبيض اللون لكن ليس في وجهه نور لأن فيوضات ربنا غير متجلية عليه. وكيف تأتي الفيوضات؟ إنها تأتي بتنقية النفس لأن الإنسان إن افتقر إلى الفيوضات الربانية، فعليه أن يبحث في جهازه الاستقبالي. وأضرب هنا مثلا بالإرسال الإذاعي، فمحطات الإذاعة ترسل، ومن يملك جهاز استقبال سليم فهو يلتقط البث الإذاعي، أما إن كان جهاز الاستقبال فاسدا فهذا لا يعني أن محطات الإذاعة لا تبث برامجها. ولذلك قال الحق:
بل يداه مبسوطتان...
[المائدة: 64]. فاحرص دائما على أن تتناول من يد ربك المدد الذي لا ينتهي، والحديث الشريف يقول:
" إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها "
والليل قد ينتهي عند إنسان، ويبدأ عند إنسان آخر، وهكذا النهار، فالليل مستمر دائما والنهار مستمر دائما، فيداه سبحانه مبسوطتان دائما ولا تنقبضان أبدا. ثم يقول سبحانه: ﴿ أفمن أسس بنيانه على تقوى... ﴾.