فلو أخذتك الرحمة في هذه اللحظة فأنت تشجع الجريمة. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين
[النور: 2]. ولكن الحوار حول العقوبات في الإسلام لا يتوقف، ونقول لهؤلاء: هل هناك مجتمع ليس فيه تجريم أو عقوبات؟ وانظر إلى المجتمعات غير الدينية، ألا توجد بها جرائم وعقوبات؟ إن كل مجتمع إنما يحمي نفسه بتوصيف الأفعال التي تعتبر جرائم، ويضع لها عقوبات، ولا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص. إذن: فكل دولة وكل مجتمع لا بد أن تكون فيه عقوبات، وإلا أصبحت الحياة فوضى يستحيل معها العيش في أمان. فإذا كان حاكم أي دولة بسيطة قد وضع تجريما وعقوبات، وهو يحكم فيما لا يملك، أفليس لله أن يضع التوصيف لما يرى أنه جرائم، وأن يشرع العقوبة الملائمة لكل جريمة، وهو سبحانه يحكم فيما يملك؟ وإذا كان سبحانه قد حكم بقطع يد هو خالقها فهو أراد ذلك ليمنع ملايين الأيدي من أن تمتد إلى مال الغير. ولذلك يجب ألا تطول الفترة بين تنفيذ العقوبة ووقت وقوع الجريمة لأن الذي يتعب الناس في الدنيا، هو طول الإجراءات والأخذ والرد، فينسى الناس الجريمة، وتأخذهم الشفقة والرحمة بالمجرم، مع أنه لو وقعت العقوبة فور حدوث الجريمة لما طلب أحد الرأفة بالمجرم. والحق تبارك وتعالى يقول: ﴿ يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ وقد عرفنا كيف يكون الجهاد مع الكافرين، فماذا يكون الجهاد مع المنافقين وهم الذين يتظاهرون بالإيمان؟ نقول: إن الجهاد معهم هو توقيع العقاب عليهم، وقد كان المنافقون يرتكبون الإثم، ويسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينكرونه، فيصفح عنهم، ويوضح الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: اغلظ عليهم إذا ارتكبوا إثما، وقد وجدنا في سورة التوبة أن المنافقين يحلفون كذبا في كثير من الأمور، فيذكر الحق سبحانه:
ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم...
[التوبة: 56].
يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر...
[التوبة: 74].
يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه...
[التوبة: 62]. وفي سورة المجادلة يقول سبحانه:
ويحلفون على الكذب وهم يعلمون
[الآية: 14] فكأنما كلما حلفوا صدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم، ففضحهم الله بأنهم كاذبون، وطلب من رسوله صلى الله عليه وسلم أن يغلظ عليهم في العقوبة. ولكن هل غلظة الرسول صلى الله عليه وسلم معهم تعفيهم من عقاب الآخرة؟ نقول: لا لأن الغلظة عليهم في الدنيا لضمان سلامة حركة الحياة، وليعلم كل منافق أنه مفضوح من الله. ولكن هذا لا يعفي من عقاب الآخرة. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ومأواهم جهنم وبئس المصير ﴾ والمصير هو المرجع الأخير لأي شيء، وكل عقوبة يكون لها مظنة ألا تمتد إلى الفترة المقررة لها، فالذي عاقب قد يعفو، وقد يخرج الإنسان قبل انتهاء مدة العقوبة كأن يكون هناك إفراج صحي، أو بقضاء ثلاثة أرباع المدة أو غير ذلك. ولكن العقوبة للمنافقين تكون بلا خروج، وفي هذا ترهيب منها لأنك لو علمت يقينا أن العقوبة أبدية، فسوف تخشى الإقدام على الجريمة. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى عن الحلف والكذب الذي كان يفعله المنافقون فيقول سبحانه: ﴿ يحلفون بالله ما قالوا... ﴾.