إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين
[الذاريات: 58]. إذن: فالاقتصاد الإسلامي مبني على وجود حركة في الكون، ولا بد أن تكون هذه الحركة على قدر طاقة المتحركين، وليس على قدر حاجاتهم حتى يكون هناك فائض يأخذه غير القادر من المتحرك القادر. ثم يعطينا الله سبحانه وتعالى لمحة إيمانية، حينما نرى الفقير غير القادر وهو يتلقى العطاء من أي إنسان غني يتعب في عمله، وكأن من هم أغنى منه يعملون ليعطوه، وسبحانه وتعالى حين سلب القوة من هذا الرجل فقد عوضه بأن أعطاه ثمرة من جهد وناتج عمل غيره فلا يسخط على اختبار الله تعالى له بالابتلاء. ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ﴾ [التوبة: 34]. وساعة تسمع كلمة ﴿ فبشرهم ﴾ [التوبة: 34] تعرف أن البشارة عادة تكون في خبر سار، وإن جاءت في خبر محزن تكون تهكما، فالإنسان الذي هو عزيز قومه ويجعل الناس له اعتبارا، إن ظلم وطغى وخاف الناس أن يردوه لأنه لا يخشى الله فيهم، هذا الظالم يؤتى به يوم القيامة ويعذب أشد العذاب، ويقال له:
ذق إنك أنت العزيز الكريم
[الدخان: 49]. وبطبيعة الموقف في النار هو مهان بعذاب جهنم ولا يمكن أن يكون عزيزا كريما، ولكن قول ملائكة النار:
ذق إنك أنت العزيز الكريم
[الدخان: 49]، هو تهكم شديد، وهو في ذلك كقول الحق تبارك وتعالى:
وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه
[الكهف: 29]. وهم ساعة يسمعون كلمة ﴿ يغاثوا ﴾ يفرحون لأن عطشهم شديد وهم قد استغاثوا فقيل لهم إنهم سيغاثون، وهذا خبر سار بالنسبة لهم، ولكن الإغاثة تأتيهم بماء يشوي وجوههم، فهل هذه إغاثة؟ إنه تهكم عليهم وزيادة في عذابهم، كذلك قول الحق سبحانه وتعالى هنا: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ [التوبة: 34]. ويصف لنا الحق هذا العذاب الأليم الذي سيتعرضون له، ويبين لنا خبر المغيب عنا في الآخرة بصورة محسة لنا فيقول: ﴿ يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم... ﴾.