وكما يحث الإسلام على استثمار المال، يطالبنا أيضا بألا يذهب المال إلى الناس بغير عمل حتى لا يعتادوا على الكسب مع الكسل وعدم العمل ولذلك قيل: إذا كثر المال ولم تكن هناك حاجة إلى مشروعات جديدة، فلا تترك الناس عاطلين بل عليك أن تأمرهم ولو بحفر بئر ثم تأمرهم بطمها أي وردمها، في هذه الحالة سيأخذ العمال أجر الحفر والردم، فلا تنتشر البطالة ويتعود الناس أن يأكلوا بدون عمل لأن هذا أقصر طريق لفساد المجتمع. إذن: فالحق سبحانه وتعالى يريد للمال أن يتحرك ولا يكتنز ولذلك قال المولى سبحانه وتعالى: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ﴾ [التوبة: 34] لأنهم بكنزهم المال إنما يوقفون حركة الحياة التي أرادها الله تعالى لكونه. وأنت ترى العالم الآن يعيش في غائلة البطالة لأن المال لا يتحرك لعمارة الكون، بل هناك من يكتنزون فقط. ولقائل أن يقول: ولكن الناس الآن يتعاملون بالنقد الورقي، بينما ذكر الله سبحانه وتعالى الذهب والفضة نقول: إن العملة الورقية ليست نقدا بذاتها، ولكنها استخدمت لتعفي الناس من حمل كميات كبيرة وثقيلة من الذهب والفضة، قد لا يقدرون على حملها، إذن فهي عملية للتسهيل، وهي منسوبة إلى قيمتها ذهبا، إذن: فالذين يكنزون العملة الورقية ولا ينفقونها فيما يعمر بها الكون وتتم عمارته تنطبق عليهم الآية الكريمة. ولكن الكنز في هذه الآية لا يأتي فقط بمعنى الجمع ولكنه أيضا بمعنى أنهم لا يؤدون حق الله فيها. ولذلك فإن المال الذي أخرجت زكاته لا يعد كنزا، لأنه يتناقص بالزكاة عاما بعد آخر أما المال المكنوز فهو المال الذي لا تؤدى زكاته. والذي يملك مالا مهما كانت قيمته ويؤدي حق الله فيه لا يعتبر كانزا للمال. بل الكنز في هذه الحالة ما لم يؤد فيه حق الله. وإذا عدنا إلى نص الآية الكريمة: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ﴾ [التوبة: 34] نتساءل: لماذا لم يقل الله: ولا ينفقونهما مع أنهما معدنان؟ ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى استخدم أسلوب الجمع لأن الذهب يطلق إطلاقات كثيرة، فهناك من يملك ألف دينار من الذهب، وغيره يملك مائة دينار من الذهب، وثالث ليس لديه إلا دينار ذهبي واحد وكذلك الفضة، وما دام الجمع هنا موجودا فلا بد أن تستخدم ﴿ ينفقونها ﴾ [التوبة: 34]. ولم تقل الآية الكريمة: والذي يكنز.
ولكنها قالت: ﴿ والذين يكنزون ﴾ [التوبة: 34]، إذن: فالمخاطبون متعددون، فهذا عنده ذهب، وهذا عنده ذهب، وثالث عنده فضة، إذن فلا بد من استخدام صيغة الجمع. ويلفتنا القرآن الكريم إلى هذه القضية في قوله تعالى:
وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا
[الحجرات: 9]. ولم يقل " اقتتلا " لأن الطائفة اسم لجماعة مكونة من أفراد كثيرين، فإذا جاء القتال لا تقوم طائفة وتمسك سيفا وتقاتل الثانية، وإنما كل فرد من الطائفة الأولى يقاتل كل فرد من الطائفة الثانية، إذن فهما طائفتان ساعة السلام، ولكن ساعة الحرب يتقاتل كل أفراد الطائفة الأولى مع كل أفراد الطائفة الثانية ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿ اقتتلوا ﴾ ، ولم يقل " اقتتلا ". أما في حالة الصلح فقد قال سبحانه وتعالى:
فأصلحوا بينهما
[الحجرات: 9]. واستخدم هنا " المثنى " لأننا ساعة نصلح بين طائفتين، لا نأتي بكل فرد من الطائفة الأولى ونصلحه على كل فرد من الطائفة الثانية، ولكن نأتي بزعيم الطائفة الأولى ونصالحة على زعيم الطائفة الثانية فيتم الصلح. ولذلك هنا تجب التثنية. وكذلك في قوله تعالى: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ [التوبة: 34] لم يقل ولا ينفقونهما، ولكن قال سبحانه وتعالى: ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ والإنفاق في سبيل الله يشمل مجالات متعددة، ففي سبيل الله تحدث حركة في المجتمع يستفيد منها الناس، فحين تخرج الزكاة يستفيد منها الناس، وحين تجهز بها جيوش المسلمين يستفيد منها الناس، ونظرية عدم كنز المال ربما ظهرت حديثا في الاقتصاد العالمي ولكنها موجودة منذ نزول القرآن الكريم. فأنت إن أنفقت ولم تكنز حدث رواج في السوق. والرواج معناه إيجاد العمل ووسائل الرزق. وإيجاد الحافز الذي يؤدي إلى ارتقاء البشرية، وأنت حين تشتري لبيتك غسالة أو ثلاجة أو بنيت بيتا صغيرا فإنك توجد رواجا اقتصاديا في المجتمع. وفي نفس الوقت ارتقيت بوسائل استخداماتك. والرواج يدفع إلى اكتشاف الأحسن الذي يفيد البشرية، ولكن إذا كنزت كل مالك ساد الكساد الاقتصادي. وليس معنى ذلك أن ينفق صاحب المال كل ماله وزيادة لأن الحق سبحانه وتعالى يريد الوسط في كل الأشياء. ولذلك يقول سبحانه وتعالى: