لأن التكليف ينتقل من المتعة إلى الراحة. ويتمتع الإنسان فيها بتجليات ربه وفيوضاته فترتاح نفسه وتهدأ. وانظر إلى قول الحق سبحانه وتعالى ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ ، تجد البشارة هنا آتية من رب خالق. والرب هو المالك والمدبر الذي يرتب لك أمورك، وهو مأمون عليك. ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان.. ﴾ [التوبة: 21]. والرحمة والرضوان من صفات الله وهي صفات ذاتية في الله، ومتعلقات العبد فيها أنه سبحانه يهبها لمن يشاء. ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله: ﴿ وجنت لهم فيها نعيم مقيم ﴾ [التوبة: 21]. ونجد أن هذا ترق وتدرج في النعمة، فقد بشرهم الله سبحانه أولا بالرحمة، وهي ذاتية فيه، ثم بنعمة دائمة في الحياة. ولنلحظ أن هناك فارقا بين النعمة والمنعم. ونضرب لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - إذا دعاك إنسان في بيته وقت الطعام ثم جاء بطبق فيه تفاح، لا بد أن يكون التفاح في الطبق يكفي كل الجالسين بحيث يأخذ كل واحد منهم تفاحة، فإذا أمسك صاحب البيت بتفاحة وأعطاها لأحد الجالسين. فهذا مظهر من مظاهر رعاية خاصة من صاحب البيت، وتمييز لشخص ضيفه عن بقية الضيوف، وهذه تمثل درجة أعلى من الكرم والاهمتام فهي تمثل الرحمة والرضوان. أما التفاح نفسه فهو النعمة، ومثله مثل الجنات. وهكذا نرى أن هناك اختلافا في التكريم. والمؤمنون حين يرتقون في درجة الإيمان يعيشون دائما مع النعمة والمنعم، فإذا جاء الطعام قالوا: " بسم الله " ، وإذا أكلوا قالوا: " الحمد لله " ، ولكنهم إذا ارتقوا أكثر في الإيمان عاشوا مع المنعم وحده، ولذلك يباهي الله بعباده الملائكة يباهي بعبادتهم وطاعتهم التي يلتزمون بها على أي حالة يكونون عليها، ولو نزل بهم أشد البلاء وسلبت منهم النعم، وهؤلاء من أصحاب المنزلة العالية.
ولذلك " فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل " ليرى الحق سبحانه وتعالى من يحبه لذاته وإن سلب منه نعمة، وهذه منزلة عالية. فمن عبد الله ليدخل الجنة أعطاها له، ومن عبده سبحانه لأنه يستحق أن يعبد، فسوف يرتقي في الجنة ليرى وجه الله في كل وقت وأما الآخرون فيرونه لمحات، ولذلك يكون الجزاء في الآخرة على قدر العمق الإيماني للعبد، لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا
[الكهف: 110]. وقال أحد الصالحين: " إني لا أشرك بك أحدا حتى الجنة، لأن الجنة أحد ". وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ﴾ وقد ترحم ولكنك لا تنال الرضوان، فوضح المولى سبحانه وتعالى ذلك وأضاف " الرضوان " إلى " الرحمة " ، ولذلك يقول الحق عز وجل: ﴿ برحمة منه ورضوان ﴾ والرضوان هو ما فوق النعيم. وبعد الرضوان يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وجنت لهم فيها نعيم مقيم ﴾. ولقائل أن يقول: هل هناك جنة ليس فيها نعيم؟ ولماذا ذكرت النعيم؟ والجنة وجدت أصلا لينعم فيها الإنسان. ونقول لمثل هذا القائل: انتبه والتفت جيدا إلى المعنى، فالمتحدث هو الله سبحانه وتعالى. وقد يكون عند الإنسان نعمة واسعة، ولكن يحيا في الكثير من المنغصات، مما يجعله لا يستمتع بالنعمة، كمرض يملؤه بالألم، أو ابن عاق يكدر حياته، أو زوجة تملأ الحياة كدرا ونكدا، قد يحدث كل ذلك فلا يستمتع الإنسان بما يملك من نعمة الله لأن المكدرات قد أحاطت به. وهنا يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا إلى أن جنة الآخرة ليس فيها منغصات الدنيا، بل هي صفاء واستمتاع، يعطي فيها الحق سبحانه وتعالى لعبده ما تشتهيه نفسه ويبعد عنه جميع المنغصات، وقد يخاف الإنسان ألا يدوم مثل هذا النعيم، لذلك يطمئن الحق العبد المؤمن أنه ﴿ نعيم مقيم ﴾ ، قد ينظر إنسان إلى أن الإقامة مقولة تحمل التشكيك، فقد تستغرق الإقامة زمنا طويلا ثم تنتهي، وشاء الله - عز وجل - أن يطمئن المؤمن بوعد حق، فوعد المؤمنين بالخلود الأبدي في الجنة. فيقول سبحانه وتعالى: ﴿ خلدين فيهآ أبدا إن الله عنده... ﴾.