تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول الحق سبحانه:

لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر..

[الأحزاب: 21]. والمسلم حين يطبق منهج الإسلام يلفت نظر غير المسلم إلى هذا الدين ويحببه فيه، وحين يفعل ما لا يرضاه الإسلام ينفر غير المسلم من الدين، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:

يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون

[الصف: 2-3]. لأن فعلك حين يختلف مع الدين الذي تدعو إليه وتؤمن به، فهو يتحول إلى حجة ضد الدين، فيقول غير المسلم: لقد رأيت المسلم يغش، ورأيته يسرق، ورأيت يده تمتد إلى الحرمات، إذن فكل منحرف عن الدين إنما يحمل فأسا يهدم بها الدين، ويكون عليه وزر عمله، ووزر من اتخذوه قدوة لهم. ولقد قلنا: إننا حين ننظر إلى التمثيل الدبلوماسي في العالم الإسلامي، نجد اثنتين وسبعين دولة إسلامية لها سفارات في معظم دول العالم، وأتساءل: كم من أفراد هذه السفارات يتمسك بالمظهر الإسلامي؟. أقل القليل. وكم من الجاليات الإسلامية في الدول الأجنبية يتمسكون بتعاليم الدين؟. أقل القليل. ولو أنهم تمسكوا جميعا بتعاليم الإسلام لعرفت دول العالم أن لهذا الدين قوة ومناعة تحميه. وأن هذه المناعة هي التي منعت الحضارة المادية المنحرفة من أن تؤثر في هؤلاء، ولكان لفتة قوية لشعوب العالم لكي تدرس هذا الدين، ولكنك تجدهم يذوبون ويتهافتون على الحضارة المادية للدول التي يقيمون فيها، مما يجعل شعوب هذه الدول تقول: لو كان دينهم قويا لتمسكوا به، ولم يتهافتوا على حضارتنا. وإذا درسنا تاريخ الإسلام نجد أنه لم ينتشر بالقتال أو بالسيف لكنه انتشر بالأسوة الحسنة، وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ [التوبة: 11]. أي نبينها لقوم يبحثون عن العلم الحقيقي، الذي بينه الله عز وجل في منهجه، ولذلك نجد مثلا أنه إذا وصلت أمة من الأمم إلى كشف جديد فأهل العلم في الإسلام يعرفون أنه ليس كشفا جديدا لأن الإسلام ذكره منذ وقت طويل. فمثلا في القانون في ألمانيا وصلوا إلى مادة في القانون سموها: " سوء استغلال الحق " فأنت لك حقوق، ولكنك قد تسيء استغلالها. وبدأت الدولة في ألمانيا تتجه نحو تشريع قوانين تهدف لمنع إساءة استغلال الحقوق ووضع شروح لهذه القوانين وتطبيقها إلى آخره، وذهب محام مسلم من بني سويف ليحصل على الدكتوراه من ألمانيا، فاطلع على هذه المسألة، وقد كان يحضر محاضرة يلقيها صاحب قانون نظرية " سوء استغلال الحق " ، فقام المحامي المسلم وقال له: أنت تقول إنك واضع هذه النظرية؟.

فقال المحاضر الألماني: نعم. فقال المحامي: لقد جاءت هذه النظرية منذ أربعة عشر قرنا في منهج الإسلام. وارتبك المحاضر الألماني ارتباكا شديدا، وجاء بالمستشرقين ليناقشوا هذا المحامي المسلم، وجاءوا بكتب السيرة النبوية، وأخرج المحامي للمستشرقين قصة من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: إن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان جالسا فجاءه صحابي يشكو من أن أحد الصحابة له نخلة في بيته، والبيت مملوك للصحابي الشاكي، والنخلة مملوكة لصحابي آخر، وقد تعود أن يأتي الصحابي صاحب النخلة إليها كثيرا ليشذبها ويلقحها ويطمئن عليها، وكأنه قد جعلها " مسمار جحا " كما يقول المثل الشعبي، فتعرضت عورة أسرة الصحابي صاحب البيت إلى الحرج، فذهب يشكو الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحضر الرسول صاحب النخلة وأوضح له بما معناه: إما أن تهب النخلة لصاحب البيت، وإما أن تبيعها له بالمال، أو أن تقطعها. لقد أوضح له الرسول صلى الله عليه وسلم: أن النخلة حقك ولكنك أسأت استعمال الحق بكثرة ذهابك إلى مكانها بسبب وبغير سبب، مما عرض عورة صاحب البيت للمتاعب. وكان هذا الفعل هو المثل الحي لسوء استغلال الحق. وكان من أمانة العلم أن يعدل أستاذ القانون الألماني في محاضرته ويقول: لقد ظننت أنني قد جئت بشيء جديد، ولكن الإسلام سبقني إليه منذ أربعة عشر قرنا. وفعلا تم التعديل. واعترف القانون الألماني بأن الإسلام قد سبقه في نظرية " سوء استغلال الحق " منذ ألف وأربعمائة سنة. ولذلك تجد أن صفة الأمية في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي أمته، كانت شهادة تفوق لأنها لم تأخذ علمها بالقراءة عن حضارات الأمم السابقة، وإنما أخذته عن الله لأن أقصى ما يصل إليه غير الأميين في علمهم أن يجيء إليهم العلم من بعضهم البعض، ولكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم جاء لها العلم من الله، وسادت الدنيا أكثر من ألف عام. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿ وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١١٠