تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك قوله تعالى ﴿ فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة ﴾ الكهف 57 أي أعرض عنها لعلة جعل الأكنة على قلوبهم. لأن الآيات الماضية دلت على أن الطبع الذي يعبر عنه تارة بالطبع، وتارة بالختم، وتارة بالأكنة، ونحو ذلك - سببه الأول الإعراض عن آيات الله والكفر بها كما تقدم إيضاحه. وفي هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان الأول - أن يقال ما مفسر الضمير في قوله ﴿ أن يفقهوه ﴾ وقد قدمنا أنه الآيات في قوله ﴿ ذكر بآيات ربه ﴾ بتضمين الآيات معنى القرآن. فقوله ﴿ أن يفقهوه ﴾ أي القرآن المعبر عنه بالآيات كما تقدم إيضاحه قريبا. السؤال الثاني - أن يقال ما وجه إفراد الضمير في قوله ﴿ ذكر ﴾ وقوله ﴿ أعرض عنها ﴾ وقوله ﴿ ونسي ما قدمت يداه ﴾ مع الإتيان بصيغة الجمع في الضمير في قوله ﴿ إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ﴾ مع أن مفسر جميع الضمائر المذكورة واحد، وهو الاسم الموصول في قوله ﴿ ممن ذكر بآيات ربه ﴾ الآية. والجواب - هو أن الإفراد باعتبار لفظ " من " والجمع باعتبار معناها، وهو كثير في القرآن العظيم. والتحقيق في مثل ذلك جواز مراعاة اللفظ تارة، ومراعاة المعنى تارة أخرى مطلقا. خلافا لمن زعم أن مراعاة اللفظ بعد مراعاة المعنى لا تصح. والدليل على صحة قوله تعالى

ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا قد أحسن الله له رزقا

الطلاق 11 فإنه في هذه الآية الكريمة راعى لفظ " من " أولا فأفرد الضمير في قوله ﴿ يؤمن ﴾ وقوله " ويعمل " وقوله " يدخله " وراعى المعنى في قوله ﴿ خالدين ﴾ فأتى فيه بصيغة الجمع، ثم راعى اللفظ بعد ذلك في قوله ﴿ قد أحسن الله له رزقا ﴾ وقوله ﴿ أن يفقهوه ﴾ فيه وفي كل من يشابهه من الألفاظ وجهان معروفان لعماء التفسير أحدهما - أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة لئلا يفقهوه. وعليه فلا النافية محذوفة دل المقام عليها. وعلى هذا القول هنا اقتصر ابن جرير الطبري. والثاني - أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة كراهة أن يفقهوه، وعلى هذا فالكلام على تقدير مضاف، وأمثال هذه الآية في القرآن كثيرة. وللعلماء في كلها الوجهان المذكوران كقوله تعالى

يبين الله لكم أن تضلوا

النساء 176 أي لئلا تضلوا، أو كراهة أن تضلوا.

وقوله

إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة

الحجرات 6 أي لئلا تصيبوا، أو كراهة أن تصيبوا، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن العظيم. وقوله تعالى ﴿ أن يفقهوه ﴾ أي يفهموه. فالفقه الفهم، ومنه قوله تعالى

فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا

النساء 78 أي يفهمونه، وقوله تعالى

قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول

هود 91 أي ما نفهمه. والوقر الثقل. وقال الجوهري في صحاحه الوقر - بالفتح، الثقل في الأذن. والوقر - بالكسر الحمل، يقال جاء يحمل وقره، وأوقر بعيره وأكثر ما يستعمل الوقر في حمل البغال والحمال اه وهذا الذي ذكره الجوهري وغيره جاء به القرآن، قال في ثقل الأذن ﴿ وفي آذانهم وقرا ﴾ وقال في الحمل

فالحاملات وقرا

الذاريات 2. قوله تعالى ﴿ وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا ﴾ الآية. بين في هذه الآية الكريمة أن الذين جعل الله على قلوبهم أكنة تمنعهم أن يفقهوا ما ينفعهم من آيات القرآن التي ذكروا بها لا يهتدون أبدا، فلا ينفع فيهم دعاؤك إياهم إلى الهدى. وهذا المعنى الذي اشار له هنا من أن من اشقاهم الله لا ينفع فيهم التذكير جاء مبينا في مواضع أخر، كقوله

إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم

يونس 96-97، وقوله تعالى

كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم

الشعراء 200-201، وقوله تعالى

وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٨٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٨٢٤