تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18.54

قوله ﴿ ولقد صرفنا ﴾ أي رددنا وكثرنا تصريف الأمثال بعبارات مختلفة، وأساليب متنوعة في هذا القرآن للناس. ليهتدوا إلى الحق، ويتعظوا. فعارضوا بالجدل والخصومة. والمثل هو القول الغريب السائر في الآفاق. وضرب الأمثال كثير في القرآن جدا. كما قال تعالى

إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها

البقرة 26 ومن أمثلة ضرب المثل فيه

يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له

الحج 73 الآية، وقوله

مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون

العنكبوت 41، وقوله

فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون سآء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا

الأعراف176-177 الآية، وكقوله ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله ﴾ الجمعة 5 الآية، وقوله

واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من السماء

الكهف 45 الآية، وقوله

ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون

النحل 75، وقوله

وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم

النحل 76، وقوله

ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم فأنتم فيه سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم

الروم 28 الآية. والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. وفي هذه الأمثال واشباهها في القرآن عبر ومواعظ وزواجر عظيمة جدا، لا لبس في الحق معها. إلا أنها لا يعقل معانيها إلا أهل العلم. كما قال تعالى

وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا العالمون

العنكبوت 43. ومن حكم ضرب المثل أن يتذكر الناس. كما قال تعالى

وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون

الحشر 21. وقد بين تعالى في مواضع أخر أن الأمثال مع إيضاحها للحق يهدي بها الله قوما، ويضل بها قوما آخرين. كما في قوله تعالى

إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين

البقرة 26، وأشار إلى هذا المعنى في سورة " الرعد ". لأنه لما ضرب المثل بقوله

أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال

الرعد 17 - أتبع ذلك بقوله

للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد

الرعد 18. ولا شك أن الذين استجابوا لربهم هم العقلاء الذين عقلوا معنى الأمثال، وانتفعوا بما تضمنت من بيان الحق. وأن الذين لم يستجيبوا له هم الذين لم يعقلوها، ولم يعرفوا ما أوضحته من الحقائق. فالفريق الأول - هم الذين قال الله فيهم ﴿ ويهدي به كثيرا ﴾ ، والفريق الثاني - هم الذين قال فيهم ﴿ يضل به كثيرا ﴾ وقال فيهم ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ ولقد صرفنا ﴾ قال بعض العلماء مفعول " صرفنا " محذوف، تقديره البينات والعبر. وعلى هذا ف " من " لابتداء الغاية أي ولقد صرفنا الآيات والعبر من أنواع ضرب المثل للناس في هذا القرآن ليذكروا، فقابلوا ذلك بالجدال والخصام. ولذا قال ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ﴾ وهذا هو الذي استظهره أبو حيان في البحر، ثم قال وقال ابن عطية يجوز أن تكون " من " زائدة للتوكيد. فالتقدير ولقد صرفنا كل مثل. فيكون مفعول " صرفنا " " كل مثل " وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين والأخفش، لا على مذهب جمهور البصريين. انتهى الغرض من كلام صاحب البحر المحيط. وقال الزمخشري " من كل مثل " من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه اه وضابط ضرب المثل الذي يرجع إليه كل معانيه التي يفسر بها هو إيضاح معنى النظير بذكر نظيره. لأن النظير يعرف بنظيره. وهذا المعنى الذي ذكره في هذه الآية الكريمة جاء مذكورا في آيات أخر. كقوله في " الإسراء "

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٨١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٨١٦