18.41
معنى قوله " غورا " أي غائرا. فهو من الوصف بالمصدر. كما قال في الخلاصة
ونعتوا بمصدر كثيرا فالتزموا الإفراد والتذكيرا
والغائر ضد النابع. وقوله ﴿ فلن تستطيع له طلبا ﴾ لأن الله إذا أعدم ماءها بعد وجوده، لا تجد من يقدر على أن يأتيك به غيره جل وعلا. وأشار إلى نحو هذا المعنى في قوله تعالى
قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم بمآء معين
الملك 30 ولا شك أن الجواب الصحيح لا يقدر على أن يأتينا به إلا الله وحده. كما قال هنا ﴿ فلن تستطيع له طلبا ﴾.
18.43-44
اعلم أن في هذه الآية الكريمة قراءات سبعية، وأقوالا لعلماء التفسير، بعضها يشهد له قرآن، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد تكون فيها مذاهب للعلماء، يشهد لكل واحد منها قرآن. فنذكر الجميع وأدلته في القرآن. فإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله في هذه الآية ﴿ ولم تكن له فئة ﴾ قرأه السبعة ما عدا حمزة والكسائي بالتاء المثناة الفوقية. وقرأه حمزة والكسائي " ولم يكن له فئة " بالياء المثناة التحتية. وقوله ﴿ الولاية لله الحق ﴾ قرأة السبعة ما عدا حمزة والكسائي أيضا " الولاية " بفتح الواو. وقرأه حمزة والكسائي بكسر الواو. وقوله " الحق " قرأه السبعة ما عدا أبا عمرو والكسائي بالخفض نعتا " لله " وقرأه أبو عمرو والكسائي بالرفع نعتا للولاية. فعلى قراءة من قرأ " الولاية لله " بفتح الواو - فإن معناها الموالاة والصلة، وعلى هذه القراءة ففي معنى الآية وجهان الأول - أن معنى ﴿ هنالك الولاية لله ﴾ أي في ذلك المقام، وتلك الحال تكون الولاية من كل أحد لله، لأن الكافر إذا رأى العذاب رجع إلى الله. وعلى هذا المعنى فالآية كقوله تعالى
فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين
غافر 84، وقوله في فرعون
حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين
يونس 90-91 ونحو ذلك من الآيات. الوجه الثاني - أن الولاية في مثل ذلك المقام وتلك الحال لله وحده، فيوالى فيه المسلمين ولاية رحمة، كما في قوله تعالى
الله ولي الذين آمنوا
البقرة 257 الآية، وقوله
ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم
محمد 11. وله على الكافرين ولاية الملك والقهر، كما في قوله
وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون
يونس 30. وعلى قراءة حمزة والكسائي فالولاية بالكسر بمعنى الملك والسلطان، والآية على هذه القراءة كقوله
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
غافر 16 وقوله
الملك يومئذ الحق للرحمن
الفرقان 26 الآية، وقوله
الملك يومئذ لله يحكم بينهم
الحج 56. وعلى قراءة " الحق " بالجر نعتا لله، فالآية كقوله
وردوا إلى الله مولاهم الحق
يونس 30 الآية. وقوله
فذلكم الله ربكم الحق
يونس 32 الآية، وقوله
يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين
النور 25 إلى غير ذلك من الآيات. وعلى قراءة " الحق " بالرفع نعتا للولاية، على أن الولاية بمعنىالملك، فهو كقوله
الملك يومئذ الحق للرحمن
الفرقان 26. وما ذكره جل وعلا عن هذا الكافر من أنه لم تكن له فئة ينصرونه من دون الله - ذكر نحوه عن غيره من الكفار، كقوله في قارون
فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين
القصص 81، وقوله
فما له من قوة ولا ناصر
الطارق 10، والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. وقوله ﴿ هنالك ﴾ قال بعض العلماء. هو متعلق بما بعده، والوقف تام على قوله ﴿ وما كان منتصرا ﴾ الكهف 43. وقال بعضهم هو متعلق بما قبله، فعلى القول الأول فالظرف الذي هو " هنالك " عامله ما بعده، أي الولاية كائنة لله هنالك. وعلى الثاني فالعامل في الظرف اسم الفاعل الذي هو " منتصرا " أي لم يكن انتصاره واقعا هنالك. وقوله ﴿ هو خير ثوابا ﴾ أي جزاء كما تقدم. وقوله " عقبا " بضم العين وسكون القاف والمعنى واحد. وقوله " ثوابا " وقوله " عقبا " كلاهما منصوب على التمييز بعد صيغة التفضيل التي هي " خير " كما قال في الخلاصة