18.26
قوله تعالى ﴿ له غيب السماوات والأرض ﴾. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو المختص بعلم الغيب في السموات والأرض. وذكر هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله
قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون
النمل 65 وقوله تعالى
عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال
الرعد 9، وقوله تعالى
ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب
آل عمران 179 الآية، وقوله تعالى
ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله
هود 123 الآية، وقوله تعالى
وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين
الأنعام 59، وقوله تعالى
وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين
يونس 61، وقوله تعالى
عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين
سبأ 3، وقوله تعالى
إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء
آل عمران 5. وبين في مواضع أخر أنه يطلع من شاء من خلقه على ما شاء من وحيه، كقوله تعالى
عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول
الجن 26-27 الآية. وقد أشار إلى ذلك بقوله
وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشآء
آل عمران 179 إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى ﴿ أبصر به وأسمع ﴾. أي ما أبصره وما أسمعه جل وعلا. وما ذكره في هذه الآية الكريمة من اتصافه جل وعلا بالسمع والبصر، ذكره أيضا في مواضع أخر، كقوله
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
الشورى 11 وقوله
قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركمآ إن الله سميع بصير
المجادلة 1 وقوله تعالى
الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير
الحج 75. والآيات بذلك كثيرة جدا. قوله تعالى ﴿ ما لهم من دونه من ولي ﴾. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن أصحاب الكهف ليس لهم ولي من دونه جل وعلا، بل هو وليهم جل وعلا. وهذا المعنى مذكور في آيات أخر، كقوله تعالى
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
البقرة 257، وقوله تعالى
ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
يونس 62 فبين أنه ولي المؤمنين، وأن المؤمنين أولياؤه - والولي هو من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به.
فالإيمان سبب يوالي به المؤمنين ربهم بالطاعة، ويواليهم به الثواب والنصر والإعانة. وبين في مواضع أخر أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، كقوله
إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا
المائدة 55 الآية، وقوله
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض
التوبة 71 الآية. وبين في مواضع أخر أن نبينا صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو قوله تعالى
النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم
الأحزاب 6. وبين في مواضع أخر أنه تعالى مولى المؤمنين دون الكافرين، وهو قوله تعالى
ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم
محمد 11، وهذه الولاية المختصة بالمؤمنين هي ولاية الثواب والنصر والتوفيق والإعانة، فلا تنافي أنه مولى الكافرين ولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة، كقوله
وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون
يونس 30. وقال بعض العلماء الضمير في قوله ﴿ ما لهم من دونه من ولي ﴾ راجع لأهل السموات والأرض المفهومين من قوله تعالى ﴿ له غيب السماوات والأرض ﴾ الكهف 26 وقيل الضمير في قوله " ما لهم " راجع لمعاصري النبي صلى الله عليه وسلم من الكفار. ذكره القرطبي. وعلى كل حال فقد دلت الآيات المتقدمة أن ولاية الجميع لخالقهم جل وعلا، وأن منها ولاية ثواب وتوفيق وإعانة، وولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى ﴿ ولا يشرك في حكمه أحدا ﴾. قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر " ولا يشرك " بالياء المثناة التحتية، وضم الكاف على الخبر، ولا نافية - والمعنى ولا يشرك الله جل وعلا أحدا في حكمه، بل الحكم له وحده جل وعلا لا حكم لغيره ألبتة، فالحلال ما أحله تعالى، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه. والقضاء ما قضاه. وقرأه ابن عامر من السبعة. " ولا تشرك " بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النهي، أي لا تشرك يا نبي الله. أو لا تشرك أيها المخاطب أحدا في حكم الله جل وعلا، بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم. وحكمه جل وعلا المذكور في قوله ﴿ ولا يشرك في حكمه أحدا ﴾ شامل لكل ما يقضيه جل وعلا. ويدخل في ذلك التشريع دخولا أوليا. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين جاء مبينا في آيات أخر. كقوله تعالى