يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا
آل عمران 30، وقوله تعالى
هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت
يونس 30 الآية، وقوله
ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر
القيامة 13، وقوله
يوم تبلى السرآئر
الطارق 9 إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى ﴿ ولا يظلم ربك أحدا ﴾. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أنه لا يظلم أحدا، فلا ينقص من حسنات محسن، ولا يزيد من سيئات مسيء، ولا يعاقب على غير ذنب. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله
إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون
يونس 44، وقوله تعالى
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
النساء 40، وقوله تعالى
ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين
الأنبياء 47، وقوله
وما ربك بظلام للعبيد
فصلت 46 وقوله
وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
النحل 33، وقوله
وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
النحل 118 والآيات بمثل ذلك كثيرة.
18.50
قدمنا في سورة " البقرة " أن قوله تعالى
اسجدوا لأدم
البقرة 34 محتمل لأن يكون أمرهم بذلك قبل وجود آدم أمرا معلقا على وجوده. ومحتمل لأنه أمرهم بذلك تنجيزا بعد وجود آدم. وأنه جل وعلا بين في سورة " الحجر " وسورة " ص " أن أصل الأمر بالسجود متقدم على خلق آدم معلق عليه. قال في " الحجر "
وإذ قال ربك للملآئكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
الحجر 28-29 وقال في " ص "
إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
ص 71-72 ولا ينافي هذا أنه بعد وجود آدم جدد لهم الأمر بالسجود له تنجيزا. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ فسجدوا ﴾ محتمل لأن يكونوا سجدوا كلهم أو بعضهم، ولكنه بين في مواضع أخر أنهم سجدوا كلهم، كقوله
فسجد الملائكة كلهم أجمعون
الحجر 30 ونحوها من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة، ﴿ كان من الجن ففسق عن أمر ربه ﴾ ظاهر في أن سبب فسقه عن أمر ربه كونه من الجن. وقد تقرر في الأصول في " مسلك النص " وفي " مسلك الإيماء والتنبيه " أن الفاء من الحروف الدالة على التعليل، كقولهم سرق فقطعت يده، أي لأجل سرقته. وسها فسجد، أي لأجل سهوه، ومن هذا القبيل قوله تعالى
والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما
المائدة 38 أي لعلة سرقتهما. وكذلك قوله هنا ﴿ كان من الجن ففسق ﴾ أي لعلة كينونته من الجن، لأن هذا الوصف فرق بينه وبين الملائكة، لأنهم امتثلوا الأمر وعصا هو. ولأجل ظاهر هذه الآية الكريمة ذهبت جماعة من العلماء إلى أن إبليس ليس من الملائكة في الأصل بل من الجن، وأنه كان يتعبد معهم، فأطلق عليهم اسمهم لأنه تبع لهم، كالحليف في القبيلة يطلق عليه اسمها. والخلاف في إبليس هل هو ملك في الأصل وقد مسخه الله شيطانا، أو ليس في الأصل بملك، وإنما شمله لفظ الملائكة لدخوله فيهم وتعبده معهم - مشهور عند أهل العلم. وحجة من قال إن أصله ليس من الملائكة أمران أحدهما - عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس. كما قال تعالى عنهم
لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون
التحريم 6، وقال تعالى
لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون
الأنبياء 27. والثاني-أن الله صرح في هذه الآية الكريمة بأنه من الجن، والجن غير الملائكة. قالوا وهو نص قرآني في محل النزاع. واحتج من قال إنه ملك في الأصل بما تكرر في الآيات القرآنيه من قوله
فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس
الحجر30-31 قالوا فإخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم. وقال بعضهم والظواهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص. ومن المعلوم أن الأصل في الاستثناء الاتصال لا الانقطاع. قالوا ولا حجة لمن خالفنا في قوله تعالى ﴿ كان من الجن ﴾ لأن الجن قبيلة من الملائكة، خلقوا من بين الملائكة من نار السموم كما روي عن ابن عباس. والعرب تعرف في لغتها إطلاق الجن على الملائكة. ومنه قول الأعشى في سليمان بن داود