ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا
الأنعام 21 ونحو ذلك من الآيات. وأشهر أوجه الجمع في ذلك وجهان أحدهما - أن كل من قال الله فيه ومن أظلم ممن فعل كذا، لا أحد أظلم من واحد منهم. وإذا فهم متساوون في الظلم لا يفوق بعضهم فيه بعضا، فلا إشكال في كون كل واحد منهم لا أحد أظلم منه. والثاني - أن صلة الموصول تعين كل واحد في محله. وعليه فالمعنى في قوله ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ﴾. لا أحد أظلم ممن ذكر فأعرض أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها. وفي قوله
ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا
الأنعام 21، لا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله كذبا، وهكذا. والأول أولى. لأنه جار على ظاهر القرآن ولا إشكال فيه. وممن اختاره أبو حيان في البحر. قوله تعالى ﴿ إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ﴾ الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه جعل على قلوب الظالمين المعرضين عن آيات الله إذا ذكروا بها - أكنة أي أغطية تغطي قلوبهم فتمنعها من إدراك ما ينفعهم مما ذكروا به.
وواحد الأكنة كنان، وهو الغطاء. وأنه جعل في آذانهم وقرا، أي ثقلا يمنعها من سماع ما ينفعهم من الآيات التي ذكروا بها. وهذا المعنى أوضحه الله تعالى في آيات أخر. كقوله
ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة
البقرة 7، وقوله
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة
الجاثية 23 الآية، وقوله تعالى
وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا
الإسراء 45-46، وقوله
أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم
محمد 23، وقوله
ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون
هود 20. والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. فإن قيل إذا كانوا لا يستطيعون السمع ولا يبصرون ولا يفقهون، لأن الله جعل الأكنة المانعة من الفهم على قلوبهم. والوقر الذي هو الثقل المانع من السمع في آذانهم فهم مجبورون. فما وجه تعذيبهم على شيء لا يستطيعون العدول عنه والانصراف إلى غيره؟! فالجواب - أن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة من كتابه العظيم أن تلك الموانع التي يجعلها على قلوبهم وسمعم وأبصارهم، كالختم والطبع والغشاوة والأكنة، ونحو ذلك - إنما جعلها عليهم جزاء وفاقا لما بادروا إليه من الكفر وتكذيب الرسل باختيارهم، فأزاغ الله قلوبهم بالطبع والأكنة ونحو ذلك، جزاء على كفرهم، فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى
بل طبع الله عليها بكفرهم
النساء 155 أي بسبب كفرهم، وهو نص قرآني صريح في أن كفرهم السابق هو سبب الطبع على قلوبهم. وقوله
فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم
الصف 5 وهو دليل أيضا واضح على أن سبب إزاغة الله قلوبهم هو زيغهم السابق. وقوله
ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم
المنافقون 3 وقوله تعالى
في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا
البقرة 10 الآية، وقوله
ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون
الأنعام 110، وقوله تعالى
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
المطففين 14، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الطبع على القلوب ومنعها من فهم ما ينفع عقاب من الله على الكفر السابق على ذلك. وهذا الذي ذكرنا هو وجه رد شبهة الجبرية التي يتمسكون بها في هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم. وبهذا الذي قررنا يحصل الجواب أيضا عن سؤال يظهر لطالب العلم فيما قررنا وهو أن يقول قد بينتم في الكلام على الآية التي قبل هذه أن جعل الأكنة على القلوب من نتائج الإعراض عن آيات الله عند التذكير بها، مع أن ظاهر الآية يدل عكس ذلك من أن الإعراض المذكور سببه هو جعل الأكنة على القلوب، لأن " إن " من حروف التعليل كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه، كقولك اقطعه إنه سارق، وعاقبه إنه ظالم، فالمعنى اقطعه لعلة سرقته، وعاقبه لعلة ظلمه.