تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يونس 101، وقوله تعالى

وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون

يونس 100، وقوله تعالى

إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين

النحل 37. وهذه الآية وأمثالها في القرآن فيها وجهان معروفان عند العلماء. أحدهما - أنها في الذين سبق لهم في علم الله أنهم أشقياء، عياذا بالله تعالى. والثاني - أن المراد أنهم كذلك ما داموا متلبسين بالكفر. فإن هداهم الله إلى الإيمان وأنابوا زال ذلك المانع، والأول أظهر والعلم عند الله تعالى. والفاء في قوله ﴿ فلن يهتدوا ﴾ لأن الفعل الذي بعد " لن " لا يصلح أن يكون شرطا ل " إن " ونحوها. والجزاء إذا لم يكن صالحا " لأن " يكون شرطا ل " إن " ونحوها - لزم اقترانه بالفاء. كما عقده في الخلاصة بقوله

واقرن بفاحتما جوابا لو جعل شرطا لأن أو غيرها لم ينجعل

وقوله في هذه الآية الكريمة " إذا " جزاء وجواب. فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سببا للاهتداء سببا لانتفائه. لأن المعنى فلن يهتدوا إذا دعوتهم - ذكر هذا المعنى الزمخشري، وتبعه أبو حيان في البحر.

وهذا المعنى قد غلطا فيه، وغلط فيه خلق لا يحصى كثرة من البلاغيين وغيرهم. وإيضاح ذلك - أن الزمخشري هنا وأبا حيان ظنا أن قوله ﴿ وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا ﴾ شرط وجزاء، وأن الجزاء مرتب على الشرط كترتيب الجزاء على ما هو شرط فيه. ولذا ظنا أن الجزاء الذي هو عدم الاهتداء المعبر عنه في الآية بقوله ﴿ فلن يهتدوا ﴾ مرتب على الشرط الذي هو دعاؤه إياهم المعبر عنه في الآية بقوله ﴿ وإن تدعهم إلى الهدى ﴾ المشار إليه أيضا بقوله " إذا " فصار دعاؤه إياهم سبب انتفاء اهتدائهم وهذا غلط. لأن هذه القضية الشرطية في هذه الآية الكريمة ليست شرطية لزومية، حتى يكون بين شرطها وجزائها ارتباط، بل هي شرطية اتفاقية، والشرطية الاتفاقيه لا ارتباط أصلا بين طرفيها، فليس أحدهما سببا في الآخر، ولا ملزوما ولا لازما له، كما لو قلت إن كان الإنسان ناطقا فالفرس صاهل - فلا ربط بين الطرفين، لأن الجزاء في الاتفاقية له سبب آخر غير مذكور، كقولك لو لم يخف الله لم يعصه، لأن سبب انتفاء العصيان ليس هو عدم الخوف الذي هو الشرط، بل هو شيء آخر غير مذكور، وهو تعظيم الله جل وعلا، ومحبته المانعة من معصيته. وكذلك قوله هنا ﴿ فلن يهتدوا إذا أبدا ﴾ سببه الحقيقي غير مذكور معه فليس هو قوله " وإن تدعهم " كما ظنه الزمخشري وأبو حيان وغيرهما. بل سببه هو إرادة الله جل وعلا انتفاء اهتدائهم على وفق ما سبق في علمه أزلا. ونظير هذه الآية الكريمة في عدم الارتباط بين طرفي الشرطية قوله تعالى

قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم

آل عمران 154 لأن سبب بروزهم إلى مضاجعهم شيء آخر غير مذكور في الآية، وهو ما سبق في علم الله من أن بروزهم إليها لا محالة واقع، وليس سببه كينونتهم في بيوتهم المذكورة في الآية. وكذلك قوله تعالى

قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر

الكهف 109 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحت الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في أرجوزتي في المنطق وشرحي لها في قولي

مقدم الشرطية المتصلة مهما تكن صحبة ذاك التال له لموجب قد اقتضاها كسبب فهي اللزومية ثم إن ذهب موجب الاصطحاب ذا بينهما فالاتفاقية عند العلما

ومثال الشرطية المتصلة اللزومية قولك كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا، لظهور التلازم بين الطرفين، ويكفي في ذلك حصول مطلق اللازمية دون التلازم من الطرفين، كقولك كلما كان الشيء إنسانا كان حيوانا، إذا لا يصدق عكسه. فلو قلت كلما كان الشيء حيوانا كان إنسانا لم يصدق، لأن اللزوم في أحد الطرفين لا يقتضي الملازمة في كليهما، ومطلق اللزوم تكون به الشرطية لزومية، أما إذا عدم اللزوم من أصله بين طرفيها فهي اتفاقية.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٨٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٨٢٥