ومثالها كما كان الإنسان ناطقا كان الحمار ناهقا. وبسبب عدم التنبه للفرق بين الشرطية اللزومية، والشرطية الاتفاقية - ارتبك خلق كثير من النحويين والبلاغيين في الكلام على معنى " لو " لأنهم أرادوا أن يجمعوا في المعنى بين قولك لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجودا. وبين قولك لو لم يخف الله لم يعصه، مع أن الشرط سبب في الجزاء في الأول، لأنها شرطية لزومية، ولا ربط بينهما في الثاني لأنها شرطية اتفاقية. ولا شك أن من أراد أن يجمع بين المفترقين ارتبك، والعلم عند الله تعالى.
18.58
قوله تعالى ﴿ وربك الغفور ذو الرحمة ﴾ الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه غفور، أي كثير المغفرة، وأنه ذو الرحمة يرحم عباده المؤمنين يوم القيامة، ويرحم الخلائق في الدنيا. وبين في مواضع أخر أنه هذه المغفرة شاملة لجميع الذنوب بمشيئته جل وعلا إلا الشرك. كقوله
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء
النساء 48، وقوله
إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة
المائدة 72. وبين في موضع آخر أن رحمته واسعة، وأنه سيكتبها للمتقين. وهو قوله
ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة
الأعراف 156 الآية. وبين في مواضع أخر سعة مغفرته ورحمته كقوله
إن ربك واسع المغفرة
النجم 32، وقوله
إن الله يغفر الذنوب جميعا
الزمر 53. ونحو ذلك من الآيات. وبين في مواضع أخر أنه مع سعة رحمته ومغفرته شديد العقاب. كقوله
وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب
الرعد 6 وقوله
غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب
غافر 3، وقوله تعالى
نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم
الحجر 49-50، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى ﴿ لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب ﴾ الآية. بين في هذه الآية الكريمة أنه لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من الذنوب كالكفر والمعاصي لعجل لهم العذاب لشناعة ما يرتكبونه، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة. فهو يمهل ولا يهمل. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله
ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة
النحل 61، وقوله
ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة
فاطر 45 وقد قدمنا هذا في سورة " النحل " مستوفى. قوله تعالى ﴿ بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا ﴾ الآية. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه وإن لم يعجل لهم العذاب في الحال فليس غافلا عنهم ولا تاركا عذابهم، بل هو تعالى جاعل لهم موعدا يعذبهم فيه، لا يتأخر العذاب عنه ولا يتقدم. وبين هذا في مواضع أخر، كقوله في " النحل "
ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون
النحل 61، وقوله في آخر سورة " فاطر "
ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جآء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا
فاطر 45، وكقوله
ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار
إبراهيم 42، وكقوله
ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب
العنكبوت 53 الآية. وقد دلت آيات كثيرة على أن الله لا يؤخر شيئا عن وقته الذي عين له ولا يقدمه عليه، كقوله
ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ
المنافقون 11، وقوله
يستقدمون
الأعراف 34، وقوله تعالى
إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر
نوح 4 الآية، وقوله
لكل أجل كتاب
الرعد 38، وقوله
لكل نبإ مستقر
الأنعام 67 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ لن يجدوا من دونه موئلا ﴾ أي ملجأ يلجؤون إليه فيعتصمون به من ذلك العذاب المجعول له الموعد المذكور. وهو اسم مكان، من وأل يئل وألا ووؤلا بمعنى لجأ. ومعلوم في فن الصرف أن واوي الفاء من الثلاثي ينقاس مصدره الميمي واسم مكانه وزمانه - على المفعل بكسر العين كما هنا، ما لم يكن معتل اللام فالقياس فيه الفتح كالمولى. والعرب تقول لا وألت نفسه، أي لا وجدت منجى تنجو به، ومنه قول الشاعر