18.56
قوله تعالى ﴿ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ﴾ الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ما يرسل الرسل إلا مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار. وكرر هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله
وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون
الأنعام 84. وقد أوضحنا معنى البشارة والإنذار في أول هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله تعالى
لينذر بأسا شديدا من لدنه
الكهف 2 الآية، وانتصاب قوله " مبشرين " على الحال، أي ما نرسلهم إلا في حال كونهم مبشرين ومنذرين. قوله تعالى ﴿ ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق ﴾ الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين كفروا يجادلون بالباطل، أي يخاصمون الرسول بالباطل، كقولهم في الرسول ساحر، شاعر، كاهن. وكقولهم في القرآن أساطير الأولين، سحر، شعر، كهانة. وكسؤالهم عن أصحاب الكهف، وذي القرنين. وسؤالهم عن الروح عنادا وتعنتا، ليبطلوا الحق بجدالهم وخصامهم بالباطل، فالجدال المخاصمة. ومفعول " يجادل " محذوف دل ما قبله عليه، لأن قوله ﴿ وما نرسل المرسلين ﴾ الكهف 56 يدل على أن الذين يجادلهم الكفار بالباطل هم المرسلون المذكورون آنفا، وحذف الفضلة إذا دل المقام عليها جائز، وواقع كثيرا في القرآن وفي كلام العرب كما عقده في الخلاصة بقوله
وحذف فضلة أجز إن لم يضر كحذف ما سيق جوابا أو حصر
والباطل ضد الحق وكل شيء زائل مضمحل تسميه العرب باطلا، ومنه قول لبيد
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
ويجمع الباطل كثيرا على أباطيل على غير القياس، فيدخل في قول ابن مالك في الخلاصة
وحائد عن القياس كل ما خالف في البابين حكما رسما
ومنه قول كعب بن زهير
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا وما مواعيده إلاالأباطيل
ويجمع أيضا على البواطل قياسا. والحق ضد الباطل. وكل شيء ثابت غير زائل ولا مضمحل تسميه العرب حقا. وقوله تعالى ﴿ ليدحضوا به الحق ﴾ الكهف 56 أي ليبطلوه ويزيلوه به وأصله من إدحاض القدم، وهو إزلاقها وإزالتها عن موضعها. تقول العرب، دحضت رجله إذا زلقت، وأدحضها الله، أزلقها ودحضت حجته إذا بطلت، وأدحضها الله أبطلها، والمكان الدحض هو الذي تزل فيه الأقدام؟ ومنه قول طرفة
أبا منذر رمت الوفاء فهبته وحدت كما حاد البعير عن الدحض
وهذا الذي ذكره هنا من مجادلة الكفار للرسل بالباطل أوضحه في مواضع أخر كقوله
والذين يحآجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم
الشورى 16 الآية. وقوله جل وعلا
يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون
التوبة 32، وقوله تعالى
يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون
الصف 8 وإرادتهم إطفاء نور الله بأفواههم، إنما هي بخصامهم وجدالهم بالباطل. وقد بين تعالى في مواضع أخر. أن ما أراده الكفار من إدحاض الحق بالباطل لا يكون، وأنهم لا يصلون إلى ما أرادوا، بل الذي سيكون هوعكس ما أرادوه- فيحق ويبطل الباطل، كما قال تعالى
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون
التوبة 33. وكقوله ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ﴾ ، وقوله ﴿ والله متم نوره ولو كره الكافرون ﴾ ، وقوله تعالى
بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون
الأنبياء 18، وقوله تعالى
وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا
الإسراء 81، وقوله تعالى
أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال