وقوله " يأفق " أي يفضل بعضا على بعض في العطاء. والآيات بمثل ذلك كثيرة. والقول الأول أظهر عندي، لأن ما لا تقدير فيه أولى مما فيه تقدير إلا بحجة الرجوع إليها تثبت المحذوف المقدر. والله تعالى أعلم. وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب وجه الجمع بين قوله تعالى هنا ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين ﴾ الكهف55 الآية وبين قوله تعالى
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا
الإسراء 94 بما حاصله باختصار أن المانع المذكور في سورة " الإسراء " مانع عادي يجوز تخلفه، لأن استغرابهم بعث رسول من البشر مانع عادي يجوز تخلفه لإمكان أن يستغرب الكافر بعث رسول من البشر ثم يؤمن به مع ذلك الاستغراب. فالحصر في قوله تعالى ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ﴾ حصر في المانع العادي. وأما الحصر في قوله هنا ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا ﴾ فهو حصر في المانع الحقيقي، لأن إرادته جل وعلا عدم إيمانهم، وحكمه عليهم بذلك، وقضاءه به مانع حقيقي من وقوع غيره. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلا ﴾ قرأه الكوفيون وهم عاصم وحمزة والكسائي " قبلا " بضم القاف والباء. وقرأه الأربعة الباقون من السبعة وهم نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر " قبلا " بكسر القاف وفتح الباء. أما على قراءة الكوفيين فقوله " قبلا " بضمتين جمع قبيل. والفعيل إذا كان اسما يجمع على فعل كسرير وسرر، وطريق وطرق، وحصير وحصر، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله
وفعل لاسم رباعي بمد قد زيد قبل لام اعلالا فقد
ما لم يضاعف في الأعم ذو الألف..إلخ. وعلى هذا، فمعنى الآية ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلا ﴾ أي أنواعا مختلفة، يتلو بعضها بعضا. وعلى قراءة من قرأوا " قبلا " كعنب، فمعناه عيانا، أي أو يأتيهم العذاب عيانا. وقال مجاهد رحمه الله " قبلا " أي فجأة.
والتحقيق أن معناه عيانا وأصله من المقابلة، لأن المتقابلين يعاين كل واحد منهما الآخر. وذكر أبو عبيد أن معنى القراءتين واحد، وأن معناهما عيانا، وأصله من المقابلة. وانتصاب " قبلا " على الحال على كلتا القراءتين. وهو على القولين المذكورين في معنى " قبلا " إن قدرنا أنه بمعنى عيانا، فهو مصدر منكر حال كما قدمنا مرارا. وعلى أنه جمع قبيل فهو اسم جامد مؤول بمشتق، لأنه في تأويل أو يأتيهم العذاب في حال كونه أنواعا وضروبا مختلفة. والمصدر المنسبك من " أن " وصلتها في قوله ﴿ أن يؤمنوا ﴾ في محل نصب. لأنه مفعول " منع " الثاني، والمنسبك من " أن " وصلتها في قوله ﴿ إلا أن تأتيهم سنة الأولين ﴾ في محل رفع، لأنه فاعل " منع " لأن الاستثناء مفرغ، وما قبل " إلا " عامل فيما بعدها، فصار التقدير منع الناس الإيمان إتيان سنة الأولين، على حد قوله في الخلاصة
وإن يفرغ سابق إلا لما بعد يكن كما لو إلا عدما
والاستغفار في قوله ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ هو طلب المغفرة منه جل وعلا لجميع الذنوب السالفة بالإنابة إليه، والندم على ما فات، والعزم المصمم على عدم العود إلى الذنب.