فهذا إسناد صالح كما ترى. وإعلال الحديث بأنه روي موقوفا من جهة أخرى يقال فيه إن الرفع زيادة. وزيادة العدول مقبولة كما تقرر في الأصول وعلوم الحديث. ويؤيده كونه جاء من طريق أخرى عن حكيم بن حزام كما ذكرناه في كلام الشوكاني آنفا. ومن ذلك حديث السائب بن أبي السائب أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم كنت شريكي في الجاهلية فكنت خير شريك، لا تداريني ولا تماريني. أخرجه أبو داود وابن ماجه. ولفظه كنت شريكي ونعم الشريك. كنت لا تداري ولا تماري. وأخرجه أيضا النسائي والحاكم وصححه. وفيه إقرار النبي صلى الله عليه وسلم له على كونه كان شريكا له. والأحاديث الدال على الشركة كثيرة جدا. وقد قال ابن حجر في فتح الباري في آخر كتاب الشركة ما نصه اشتمل الشركة يعني من صحيح البخاري من الأحاديث المرفوعة على سبعة وعشرين حديثا، المعلق منها واحد، والبقية موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى ثلاثة عشر حديثا، والخالص أربعة عشر، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث النعمان " مثل القائم على حدود الله " ، وحديثي عبد الله بن هشام، وحديثي عبد الله بن عمر، وحديث عبد الله بن الزبير في قصته، وحديث ابن عباس الأخير. وفيه من الآثار أثر واحد. والله أعلم انتهى كلام ابن حجر. وبهذا تعلم كثرة الأحاديث الدالة على الشركة في الجملة. وأما الإجماع فقد أجمع جميع علماء المسلمين على جواز أنواع من أنواع الشركات، وإنما الخلاف بينهم في بعض أنواعها. اعلم أولا - أن الشركة قسمان شركة أملاك، وشركة عقود. فشركة الأملاك - أن يملك عينا اثنان أو أكثر بإرث، أو شراء، أو هبة ونحو ذلك. وهي المعروفة عند المالكية بالشركة الأعمية. وشركة العقود - تنقسم إلى شركة مفاوضة، وشركة عنان، وشركة وجوه، وشركة أبدان، وشركة مضاربة. وقد تتداخل هذه الأنواع فيجتمع بعضها مع بعض. أما شركة الأملاك فقد جاء القرآن الكريم بها في قوله تعالى
فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركآء في الثلث
النساء 12 ولا خلاف فيها بين العلماء. وأما أنواع شركة العقود فسنذكر إن شاء الله هنا معانيها، وكلام العلماء فيها، وأمثلة للجائز منها تنبيها بها على غيرها، وما ورد من الأدلة في ذلك. اعلم - أن شركة المفاوضة مشتقة من التفويض. لأن كل واحد منهما يفوض أمر التصرف مال الشركة إلى الآخر. ومن هذا قوله تعالى عن مؤمن آل فرعون
وأفوض أمري إلى الله
غافر 44 الآية. وقيل أصلها من المساواة. لاستواء الشريكين فيها في التصرف والضمان. وعلى هذا فهي من الفوضى بمعنى التساوي. ومنه قول الأفوه الأودي
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذ جهالهم سادوا إذا تولى سرة الناس أمرهم نما على ذاك أمر القوم وازدادوا
فقوله " لا يصلح الناس فوضى " أي لا تصلح أمورهم في حال كونهم فوضى، أي متساوين لا أشراف لهم يأمرونهم وينهونهم. والقول الأول هو الصواب. هذا هو أصلها في اللغة. وأما شركة العنان - فقد اختلف في أصل اشتقاقها اللغوي. فقيل أصلها من عن الأمر يعن - بالكسر والضم - عنا وعنونا إذا عرض. ومنه قول امرىء القيس
فعن لنا سرب كأن نعاجه عذارى دوار في ملاء مذيل
قال ابن منظور في اللسان وشرك العنان وشركة العنان شركة في شيء خاص دون سائر أموالهما. كأنه عن لهما شيء فاشترياه واشتركا فيه. واستشهد لذلك قول النابغة الجعدي
فشاركنا قريشا في تقاها وفي أحسابها شرك العنان بما ولدت نساء بني هلال وما ولدت نساء بني أبان
وبهذا تعلم أن شركة العنان معروفه في كلام العرب، وأن قول ابن القاسم من أصحاب مالك إنه لا يعرف شركة العنان عن مالك، وأنه لم ير أحدا من أهل الحجاز يعرفها، وإنما يروى عن مالك والشافعي من أنهما لم يطلقا هذا الإسم على هذه الشركة، وأنهما قالا هي كلمة تطرق بها أهل الكوفة ليمكنهم التمييز بين الشركة العامة والخاصة من غير أن يكون مستعملا في كلام العرب. كل ذلك فيه نظر لما عرفت أن كان ثابتا عنهم. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له. اعلم - أن مراد النابغة في بيتيه المذكورين