تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الليل 14، وقوله

إنآ أنذرناكم عذابا قريبا

النبأ 40 الآية. وفي أول هذه السورة الكريمة كرر تعالى الإنذار، فحذف في الموضع الأول مفعول الإنذار الأول، وحذف في الثاني مفعول الثاني، فصار المذكور دليلا على المحذوف في الموضعين. وتقدير المفعول الأول المحذوف في الموضع الأول لينذر الذين كفروا بأسا شديدا من لدنه. وتقدير المفعول الثاني المحذوف في الموضع الثاني وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا بأسا شديدا من لدنه. وقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أن هذا القرآن العظيم تخويف وتهديد للكافرين. وبشارة للمؤمنين المتقين. إذ قال في تخويف الكفرة به ﴿ لينذر بأسا شديدا من لدنه ﴾ وقال ﴿ وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ﴾ الآية. وقال في بشارته للمؤمنين ﴿ ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ﴾ الآية. وهذا الذي ذكره هنا من كونه إنذارا لهؤلاء وبشارة لهؤلاء بينه في مواضع أخر كقوله

فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا

مريم 97، وقوله

المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين

الأعراف 1-2. وقد أوضحنا هذا المبحث في أول سورة " الأعراف ". وأوضحنا هنا لك المعاني التي ورد بها الإنذار في القرآن. والبأس الشديد الذي أنذرهم إياه هو العذاب الأليم في الدنيا والآخرة والبشارة الخبر بما يسر. وقد تطلق العرب البشارة على الإخبار بما يسوء، ومنه قوله تعالى

فبشره بعذاب أليم

لقمان 7 ومنه قول الشاعر

وبشرتني يا سعد أن أحبتي جفوني وقالوا الود موعده الحشر

وقول الآخر

يبشرني الغراب ببين أهلي فقلت له ثكلتك من بشير

والتحقيق أن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء، أسلوب من أساليب اللغة العربية. ومعلوم أن علماء البلاغة يجعلون مثل ذلك مجازا، ويسمونه استعارة عنادية، ويقسمونها إلى تهكمية وتمليحية كما هو معروف في محله. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ الذين يعملون الصالحات ﴾ بينت المراد به آيات أخر، فدلت على أن العمل لا يكون صالحا إلا بثلاثة أمور الأول - أن يكون مطابقا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. فكل عمل مخالف لما جاء به صلوات الله وسلامه عليه فليس بصالح، بل هو باطل، قال تعالى

ومآ آتاكم الرسول فخذوه

الحشر 7 الآية، وقال

من يطع الرسول فقد أطاع الله

النساء 80 وقال

قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله

آل عمران 31 الآية، وقال

أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله

الشورى 21 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. الثاني - أن يكون العامل مخلصا في عمله لله فيما بينه وبين الله، قال تعالى

ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين

البينة 5 الآية، وقال

قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه

الزمر 11-15 إلى غير ذلك من الآيات. الثالث - أن يكون العمل مبنيا على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة، لأن العمل كالسقف، والعقيدة كالأساس، قال تعالى

من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن

النحل 97. الآية، فجعل الإيمان قيدا في ذلك. وبين مفهوم هذا القيد في آيات كثيرة، كقوله في أعمال غير المؤمنين

وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا

الفرقان 23، وقوله

أعمالهم كسراب

النور 39 الآية، وقوله

أعمالهم كرماد اشتدت به الريح

إبراهيم 18 الآية، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. والتحقيق أن مفرد الصالحات في قوله ﴿ يعملون الصالحات ﴾ ، وقوله

وعملوا الصالحات

البقرة 25 ونحو ذلك - أنه صالحة، وأن العرب تطلق لفظة الصالحة على الفعلة الطيبة. كإطلاق اسم الجنس لتناسى الوصيفة، كما شاع ذلك الإطلاق في الحسنة مرادا بها الفعلة الطيبة. ومن إطلاق العرب لفظ الصالحة على ذلك قول أبي العاص بن الربيع في زوجه زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٧٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٧٥٣