وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه
المائدة 84 الآية. ولأجل هيمنته على ما قبله من الكتب قال تعالى
إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون
النمل 76 الآية. وقال
قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين
آل عمران 93 وقال
يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب
المائدة 15 الآية. الوجه الثاني - أن معنى كونه " قيما " أنه قيم بمصالح الخلق الدينية والدنيوية. وهذا الوجه في الحقيقية يستلزمه الوجه الأول. واعلم أن علماء العربية اختلفوا في إعراب قوله " قيما " فذهب جماعة إلى أنه حال من الكتاب. وأن في الآية تقديما وتأخيرا، وتقريره على هذا أنزل على عبده الكتاب في حال كونه قيما ولم يجعل له عوجا. ومنع هذا الوجه من الإعراب الزمخشري في الكشاف قائلا إن قوله ﴿ ولم يجعل له عوجا ﴾ الكهف 1معطوف على صلة الموصول التي هي جملة ﴿ أنزل على عبده الكتاب ﴾ الكهف 1 والمعطوف على الصلة داخل في حيز الصلة.
فجعل " قيما " حال من " الكتاب " يؤدي إلى الفصل بين الحال وصاحبها ببعض الصلة، وذلك لا يجوز. وذهب جماعة آخرون إلى أن " قيما " حال من " الكتاب " وأن المحذور الذي ذكره الزمخشري منتف. وذلك أنهم قالوا إن جملة ﴿ ولم يجعل له عوجا ﴾ ليست معطوفه على الصلة، وإنما هي جملة حالية. وقوله " قيما " حال بعد حال، وتقريره أن المعنى أنزل على عبده الكتاب في حال كونه غير جاعل فيه عوجا، وفي حال كونه قيما. وتعدد الحال لا إشكال فيه، والجمهور على جواز تعدد الحال مع اتحاد عامل الحال وصاحبها، كما أشار له في الخلاصة بقوله
والحال قد يجيء ذا تعدد لمفرد فاعلم وغير مفرد
وسواء كان ذلك بعد العطف أو بدون عطف. فمثاله مع العطف قوله تعالى
أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين
آل عمران 39 ومثاله بدون عطف قوله تعالى
ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا
الأعراف 150 الآية. وقول الشاعر
على إذا ما جئت ليلى بخفية زيارة بيت الله رجلان حافيا
ونقل عن أبي الحسن بن عصفور منع تعدد الحال ما لم يكن العامل فيه صيغة التفضيل في نحو قوله هذا بسرا أطيب منه رطبا. ونقل منع ذلك أيضا عن الفارسي وجماعة. وهؤلاء الذين يمنعون تعدد الحال يقولون إن الحال الثانية إنما هي حال من الضمير المستكن في الحال الأولى. والأولى عندهم هي العامل في الثانية. فهي عندهم أحوال متداخلة، أو يجعلون الثانية نعتا للأولى وممن اختار أن جملة ﴿ ولم يجعل ﴾ حالية، وأن ﴿ قيما ﴾ حال بعد حال الأصفهاني. وذهب بعضهم إلى أن قوله ﴿ قيما ﴾ بدل من قوله ﴿ ولم يجعل له عوجا ﴾ لأن انتفاء العوج عنه هو معنى كونه قيما. وعزا هذا القول الرازي وأبو حيان لصاحب حل العقد، وعليه فهو بدل مفرد من جملة. كما قالوا في عرفت زيدا أبو من. أنه بدل جملة من مفرد. وفي جواز ذلك خلاف عند علماء العربية. وزعم قوم أن ﴿ قيما ﴾ حال من الضمير المجرور في قوله ﴿ ولم يجعل له عوجا ﴾ واختار الزمخشري وغيره أن ﴿ قيما ﴾ منصوب بفعل محذوف، وتقديره ولم يجعل له عوجا وجعله قيما، وحذف ناصب الفضلة إذا دل عليه المقام جائز. كما قال في الخلاصة
ويحذف الناصبها إن علما وقد يكون حذفه ملتزما
وأقرب أوجه الإعراب في قوله " قيما " أنه منصوب بمحذوف، أو حال ثانية من " الكتاب " والله تعالى أعلم. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ لينذر بأسا شديدا ﴾ اللام فيه متعلقة ب ﴿ أنزل ﴾ الكهف1 وقال الحوفي هي متعلقة بقوله ﴿ قيما ﴾ والأول هو الظاهر.
والإنذار الإعلام المقترن بتخويف وتهديد. فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارا. والإنذار يتعدى إلى مفعولين، كما في قوله تعالى
فأنذرتكم نارا تلظى