تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد

هود80 وقد قدمنا هذا مستوفى في " سورة هود ". فيلزم الناظر في هذه المسألة أن يفرق بين الأمرين، ويعلم أن النداء بروابط القوميات لا يجوز على كل حال، ولا سيما إذا كان القصد بذلك القضاء على رابطة الإسلام، وإزالتها بالكلية بدعوى أنه لا يساير التطور الجديد، أو أنه جمود وتأخر عن مسايرة ركب الحضارة. نعوذ بالله من طمس البصيرة. وأن منع النداء بروابط القوميات لا ينافي أنه ربما انتفع المسلم بنصرة قريبه الكافر بسبب العواطف النسبية والأواصر العصبية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، كما وقع من أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال

" إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر "

ولكن تلك القرابات النسبية لا يجوز أن تجعل هي الرابطة بين المجتمع. لأنها تشمل المسلم والكافر، ومعلوم أن المسلم عدو الكافر، كما قال تعالى

لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله

المجادلة22 الآية، كما تقدم. والحاصل - أن الرابطة الحقيقية التي تجمع المفترق وتؤلف المختلف هي رابطة " لا إله إلا الله " ألا ترى أن هذه الرابطة التي تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد واحد، وتجعله كالبنيان يشد بعضه بعضا، عطفت قلوب حملة العرش ومن حوله من الملائكة على بني آدم في الأرض مع ما بينهم من الاختلاف. قال تعالى

الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم

غافر7-9. فقد أشار تعالى إلى أن الرابطة التي ربطت بين حملة العرش ومن حوله، وبين بني آدم في الأرض حتى دعوا الله لهم هذا الدعاء الصالح العظيم، إنما هي الإيمان بالله جل وعلا. لأنه قال عن الملائكة ﴿ ويؤمنون به ﴾ فوصفهم بالإيمان. وقال عن بني آدم في استغفار الملائكة لهم ﴿ ويستغفرون للذين آمنوا ﴾ فوصفهم أيضا بالإيمان. فدل ذلك على أن الرابطة بينهم هي الإيمان وهو أعظم رابطة. ومما يوضح لك أن الرابطة الحقيقية هي دين الإسلام - قوله تعالى في أبي لهب عن النبي صلى الله عليه وسلم

سيصلى نارا ذات لهب

المسد3 ويقابل ذلك بما لسلمان الفارسي من الفضل والمكانة عند النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه

" سلمان منا أهل البيت "

رواه الطبراني والحاكم في المستدرك، وجعل عليه صاحب الجامع الصغير علامة الصحة. وضعفه الحافظ الذهبي. وقال الهيثمي فيه، عند الطبراني كثير بن عبد الله المزني ضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات. وقد أجاد من قال

لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب

وقد أجمع العلماء على أن الرجل إن مات وليس له من القرباء إلا ابن كافر، أن إرثه يكون للمسلمين بأخوة الإسلام، ولا يكون لولده لصلبه الذي هو كافر، والميراث دليل القرابة. فدل ذلك على أن الأخوة الدينية أقرب من البنوة النسبية. وبالجملة، فلا خلاف بين المسلمين أن الرابطة التي تربط أفراد أهل الأرض بعضهم ببعض، وتربط بين أهل الأرض والسماء، هي رابطة " لا إله إلا الله " فلا يجوز ألبتة النداء برابطة غيرها. ومن والى الكفار بالروابط النسبية محبة لهم، ورغبة فيهم يدخل في قوله تعالى

ومن يتولهم منكم فإنه منهم

المائدة51، وقوله تعالى

إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير

الأنفال73 والعلم عند الله تعالى. وبالجملة - فالمصالح التي عليها مدار الشرائع ثلاثة الأولى - درء المفاسد المعروف عند أهل الأصول بالضروريات.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٦٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٦٦٥