تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخليفة إمام الأمة ورئيس الدولة فيغتاله وهو جالس على عرشه، وإنما وظيفته

المحافظة عليه والطاعة له ولمن دونه من رؤساء حكومته، ولا ندري من أين جاء

الكاتب الكبير بقوله: (إنه من المعلوم جنوح الخلفاء العباسين بعد ذلك لعدم الاعتقاد) ؟

أمر الاعتقاد من الأمور الباطنة، فمن أين صار معلوما للكاتب السياسي الكبير

بعد ألف سنة؟ وهب أنه أمر كان معلوما عن بعضهم في عصرهم، فهل يصح أن

يكون لجنودهم عذرا في قتل من قتلوا من سلفهم أو منهم؟ بل إذا فرضنا أنهم

جنحوا إلى ما يسميه (عدم الاعتقاد) قبل تصدي جنودهم للفتك بهم لا بعده، كما قال

فهل يمكن أن يقال: إن ذلك الجند - الذي اعترف الكاتب الكبير بجهله - قد اقترف

جناياته تربية للخفاء على ذلك الجنوح؟ وإذا فرض ذلك فهل يكون عذرا له مخففا

لجرمه؟ إذا كان الجندي الجاهل يقتل رئيس الأمة في أمور دينها ودنياها لأمر

يتعلق باعتقاده، فكيف يمكن أن يستقيم للحكومة أو للأمة أمر؟ وأي تشريع في العالم

يجيز هذه الهمجية؟ أما الإسلام فإنه لا يبيح للخليفة نفسه أن يبحث عن عقائد الناس

ويحاسبهم أو يعاقبهم عليها، بل صرح الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه لم يؤمر

بالتنقيب عن القلوب.

(3) ذكر رصيفنا السياسي الكبير ما بيناه من تأثير دسائس مجوس الفرس

في الفتن التي دهت الأمة الإسلامية، وتعقبه بادعاء أن مفاسد هذا العصر أشد؛

لأنها تفعل جهرا وكانت تلك تدس من وراء حجاب واستشهد (بقيام الشريف حسين

على تركيا) وقال: (إذن فهنالك أمور تتبدل بتبدل الزمان) .

ونحن نقول: إن للعرب نظرا آخر في المسألة، يقولون: هنالك جند جاهل

متوحش يهدم سلطة الدين والدولة الإسلامية تلذذا بما اعتاده وصار كالغريزة له من

حب الفتك والعدوان والفساد في الأرض كما هو مدون في بطون التواريخ العامة،

فلم يقل أحد من المؤرخين: إن الجند التركي الذي فعل ما فعل في الخلافة العباسية

كان له مقصد من المقاصد الدينية أو المدنية يسعى له سعيه ويتوسل إليه بقتل

الخلفاء، وههنا شعبان كانا مرتبطين بحكومة انفرد أحدهما بالسيادة والسلطان

الأعلى فيها فاستعان بذلك على قهر الآخر واستذلاله وقهره على التحول عن جنسيته

وترك لغته المقدسة التي تعبد الله تعالى بها جميع أهل دينه إلى لغة الغالب القاهر

الملفقة التي لم يستقر بها على قرار، أكان من العجب أو من المنكر في عرف أحد

من الأمم أن يغتنم زعيم من هذا الشعب المقهور فرصة اشتغال قاهره بحرب يرجح

هو انكساره فيها فيسعى لاستقلاله وحفظ حياته أن تزول بالتبع له؟

هذا ما يراه العرب في التنازع بينهم وبين الترك الذي أثارته جمعية الاتحاد

والترقي في الدولة العثمانية التي كان العرب راضين بالارتباط بها مع هضم حقوقهم

فيها قبل قيام الطورانيين بالسعي لجعلها تركية محضة، يجبر كل مرتبط بها على

أن تكون لغتها لغته دون سواها، وأن تكون أحكامها تركية قومية، ويذكر رصيفنا

صاحب السعادة جودت بك أننا كنا كلمناه كما كلمنا رؤساء الدولة في وجوب تلافي

خطر هذا التنازع بين الشعبين الأكبرين في هذه الدولة اللذين شبهناهما بالعنصرين

المكونين لحقيقة الماء أو الهواء، وأننا عرضنا عليه أن نشرح للدولة وللرأي العام

التركي في العاصمة أسباب التنازع والطريقة المثلى لتلافي ضرره واتقاء خطره

بمقالات ننشرها في جريدته (إقدام) ويتذكر أيضا أنه رضي أن ينشرها بشرط أن

يحفظ للجريدة حق النقد والمناقشة فيها وأننا رضينا بالشرط، وأنه نشر لنا ثلاث

مقالات لم ينكر منها شيئا وامتنع عن نشر الثالثة وما بعدها، لما رأى في الثالثة أن

ما يشكو منه العرب حق لا يمكن أن يناقش فيه، وأنه قال لنا: هذه شؤوننا الملية،

فليس لكم أن تعارضونا أو تجادلونا فيها. ويتذكر أيضا ما كانت تنشره جريدته في

ذلك الوقت من الطعن في العرب لبعض الكتاب حتى في عرضهم وشرفهم، وما

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٦٣