حملا على هذا بالدليل كما تقدم من أنه محرم فأباحته الضرورة كالميتة (والثاني)
أن من يقول: إن تحريم الخمر لا يحل بالضرورة، ذكر أنها لا تزيده إلا عطشا ولا
تدفع عنه شبعا، فإن صح ما ذكره كانت حراما، وإن لم يصح - وهو الظاهر -
أباحتها الضرورة كسائر المحرمات، وأما الغاص بلقمة فإنه يجوز له فيما بينه وبين
الله تعالى، وأما فيما بيننا فإن شهدناه فلا يخفى بقرائن الحال صورة الغصة من
غيرها فيصدق إذا ظهر ذلك، وإن لم يظهر حددناه ظاهرا وسلم من العقوبة عند الله
تعالى باطنا. اه.
قول الإمام الرازي الشافعي:
عقد الفخر الرازي في أحكام آية البقرة من تفسيره الكبير المشهور فصولا بعد
تفسير الاضطرار بمثل ما تقدم قال في آخر الفصل منه ما نصه: ...
(المسألة الرابعة) اختلفوا في المضطر إلى الشرب إذا وجد خمرا أو من
غص بلقمة فلم يجد ماء يسيغه ووجد الخمر، فمنهم من أباحه بالقياس على هذه
الصورة فإن الله تعالى إنما أباح هذه المحرمات إبقاء للنفس ودفعا للهلاك عنها،
فكذلك في هذه الصورة، وهذا هو الأقرب إلى الظاهر والقياس، وهو قول سعيد بن
جبير وأبي حنفية، وقال الشافعي رضي الله عنه: لا يشرب؛ لأنه يزيده عطشا
وجوعا ويذهب عقله. وأجيب عنه بأن قوله (لا يزيده إلا عطشا وجوعا) مكابرة،
وقوله: (يزيل العقل) فكلامنا في القليل الذي لا يكون كذلك.
(المسألة الخامسة) اختلفوا إذا كانت الميتة يحتاج إلى تناولها للعلاج، إما
بانفرادها أو بوقوعها في بعض الأدوية المركبة، فأباحه بعضهم للنص والمعنى، أما
النص فهو أنه صلى الله عليه وسلم أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها للتداوي،
وأما المعنى فمن وجوه: (الأول) أن الترياق الذي جعل فيه لحوم الأفاعي
مستطاب فوجب أن يحل؛ لقوله تعالى: ﴿أحل لكم الطيبات﴾ (المائدة: 4)
غاية ما في الباب أن هذا العموم مخصوص، ولكن لا يقدح في كونه حجة.
(الثاني) أن أبا حنيفة لما عفا عن قدر الدرهم من النجاسة لأجل الحاجة،
والشافعي عفا عن دم البراغيث للحاجة، فلم لا يحكمان بالعفو في هذه الصورة
للحاجة؟ (الثالث) أنه تعالى أباح أكل الميتة لمصلحة النفس فكذا هاهنا. ومن
الناس من حرمه واحتج بقوله عليه السلام: (إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما
حرم عليهم) وأجاب الأولون بأن التمسك بهذا الخبر إنما يتم لو ثبت أنه يحرم عليه
تناوله، والنزاع ليس إلا فيه.
(المسألة السادسة) اختلفوا في التداوي بالخمر، واعلم أن الحاجة إلى ذلك
التداوي إن انتهت إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الرابعة، فإن لم تنته
إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الخامسة. اه.
قول الإمام الطوفي الحنبلي:
قال الإمام الشيخ سليمان بن عبد القوي الطوفي في تفسيره: (الإشارات
الإلهية إلى المباحث الأصولية) في تفسير آية البقرة ما نصه:
﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ (البقرة: 173) أي إذا أكل
من هذه المحرمات مضطرا لا إثم عليه. والمضطر من خشي على نفسه الهلاك أو
مرضا أو ضعفا فاحشا يخشى منه الهلاك أو الزمانة، ونحو ذلك من الضرر الفظيع
فله أن يأكل ما يسد رمقه، وفي تمام الشبع قولان للعلماء، إلخ.
***
ما ورد في السنة والأثر
هذا ما قاله أشهر المفسرين المحققين المنتمين إلى المذاهب الأربعة في
الضرورة والاضطرار الذي يبيح شرب الخمر التي لا خلاف في كونها خمرا، أو
يوجبه، وكونه في حال الاضطرار لا يعد من التداوي بالمحرم لأنه صار واجبا،
وأحسنه كلام ابن العربي. وإن في الآثار عن بعض أئمة السلف ما يدل على
الرخصة فيما دون ذلك، كما يتبادر من الرواية الثانية الآتية عن سعيد بن جبير من
أئمة التابعين، فقد روى عنه ابن جرير في تفسير: {فمن اضطر غير باغ ولا
عاد} (البقرة: 173) أنه قال: إذا خرج في سبيل من سبيل الله فاضطر إلى