الفرصة لأسسوا لأنفسهم وحدة حلفية يحفظ بها استقلال كل منهم ويعود به مجد
الأمة العربية وتحيا حضارتها الشريفة التي فاقت حضارة جميع الأمم بجمعها بين
الرفاهة المقصودة من الحضارة وبين الفضيلة، ولكنهم أجابوا داعي شيطان
التفريق وتغريره لهم بالمال والمآل: {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا
غرورا} (النساء: 120) . ولم يجيبوا داعي الوحدة وهو داعي الله تعالى الذي
يدعوهم بسم الله تعالى لما يحييهم، فهذا وقت الوحدة الداخلية أمام الدواهي
الخارجية، لا وقت فض مشكلات حدود البلاد ولا تحكيم العصبية الدينية والمذهبية،
وليعتبروا بإخوانهم الترك، الذين قضت عليهم معاهدات الحرب بالزوال والمحق،
كيف تحولت حالهم بجمع الكلمة والدفاع عن البيضة إلى أن صار الحلفاء
القاهرون لهم ولأحلافهم الذين كانوا أقوى وأعز منهم يعدونهم خطرا عليهم،
ويتسابقون إلى الاتفاق معهم أو التزلف إليهم، ولكن الترك قد وجدوا فيهم الزعيم
الذي جدد لهم الفخار، ولم يوجد في العرب إلا الزعيم الذي سجل عليهم الخزي
والعار، ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (الحشر: 2) .
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) من أغرب هذا التشديد أننا قد كنا ننقل بعض ما ينشر في الجرائد اليومية فنمنع من نشره بالمنار ألبتة أو يحذف بعضه ! حتى حذف بعض تقرير مشيخة الأزهر الرسمي في انتقاد مشروع التعليم الأول عند نشرنا إياه نقلا عن الجرائد.
(2) راجع ص 282 - 288.
(3) إنما صرحت هنا باسم الخطيب - مع التزامي كتمان أسماء الأفراد في هذا المقام ولا سيما من كنت منتقدا لرأيهم وعملهم في مسألتنا في كل ما كتبت - لأن هذه الخطبة قد ذكرت أخيرا في حفل كبير خطب فيه الخطيب ورددت عليه كما سيأتي.
(4) راجع ص 6 من فاتحة المجلد 81 ومقالة (عاقبة الحرب) فيه (ص 337) .
(5) ص 197 منه.
(6) (ص434) منه.
(7) إنما لقبناه هنا بالشريف لأنه اللقب المشهور الثابت له وقد صار أميرا مؤقتا لقسم من سورية من قبل الحلفاء ثم ملكا عليها بنصب المؤتمر السوري العام وموافقة الشام ثم مهاجرا سياسيا في أوربة ثم مرشحا من بريطانية العظمى لدولة العراق.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">