تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقتا لغيري، فاكتفيت بالإشارة.

وقد قام بعدي سيد أفندي كامل الخطيب، الكاتب المصري المشهور، فألقى

خطابا بليغا جاء فيه بالكثير الناقع للغلة مما كنت أحب الكلام فيه من وجوب التعاون

والولاء بين الشعب المصري الممتاز بخصائصه الكثيرة وبين سائر الشعوب العربية،

وتوسع أيضا في السياسة الإنكليزية وما لها من المصلحة والمنفعة في إجابة الشعب

المصري والأمة العربية إلى الاعتراف لها بحقها في الاستقلال التام، فكان لخطابه

تأثير حسن عام. وتلاه جندي بك إبراهيم صاحب الوطن، فتكلم في المسألة الأولى

وأجاد.

وبعد أن ختم صاحب الدعوة الاحتفال بالشكر المعتاد، وشرع الحفل المجتمع

في الانصراف، وقف الدكتور عبد الرحمن شاهبندر على كرسي واستوقف الناس

لسماع كلمة منه، فوقفوا وبدأ كلمته بأن السيد رشيد رضا يغلب عليه التشاؤم وهو

يحب ترجيح التفاؤل، ثم أثنى على المصريين ومصر ملجأ الأحرار بما يرجى

أن يزيد الولاء بينهم وبين إخوانهم السوريين فأجاد.

وإنني أعترف بصدق كلمة صديقي الدكتور شاهبندر، وإن كنت أنكرت في

نفسي ذكرها في ذلك الموقف وأقول إنني كنت منذ اشتغلت بالسياسة غيدارا في

السياسة الأوربية والمطامع الاستعمارية (الغيدار هو الذي يسيء الظن فيصيب)

يغلب علي التشاؤم من مساعيهم ولم أر فيها مجالا للتفاؤل وحسن الظن كما شرحته

في هذا المقال، وإنني لم أختلف مع صديقي الدكتور شاهبندر في مسألة من المسائل

التي كنت فيها متشائما وكان متفائلا، إلا وظهر أنني كنت المصيب، فليتذكر أول

الخلاف في إثر قدومه من العراق إلى مصر وأوسطه وآخره في دعوته إياي مع

آخرين إلى إمضاء تقريره المعهود وفي موقفنا في هذا الاحتفال.

***

ختم المقال بالتفاؤل بالمآل

وأختم هذا المقال بقولي: إنني مؤمن يرى اليأس من روح الله والقنوط من

رحمته كفرا، وإنني لا يمنعني التشاؤم وسوء الظن في الطامعين من عمل ولا سعي،

فأنا لا أزال أرجو إقناع الدولتين المقتسمتين لبلادنا الهاضمتين لحقوقنا بأن الخير لهما

وللمدنية والإنسانية أن يتركونا أحرارا في بلادنا، حاكمين في شعوبنا، وأن يساعدونا

على ما نريد من عمران بلادنا بما نطلب المساعدة عليه ويكتفوا منا بالمنافع الاقتصادية

والأدبية. ومن سوء الحظ أن كان السعي السابق مع غلاة المستعمرين منهم، وأرجو

أن أوفق للسعي مع أحرار المنصفين منهم، وهم ولله الحمد كثيرون.

وأود لو يعلم هؤلاء الأحرار حقيقة أمور الشرق من أحرار أهله ولا يكتفوا

ببلاغات السياسة الاستعمارية وما يختزله أهلها من أقوال مديري المخابرات لهم.

أود لو يعلم أحرار فرنسة الكرام أن ملك الحجاز وأولاده لا يمثلون الأمة

العربية، بل السواد الأعظم من العرب ومن مسلمي الأعاجم غير راضين عنهم

وأنه ليس من مصلحة فرنسة معاداة هذه الأمة في هذا البيت منها، ولا بجعلها

خصما للترك، وأنه لا يمكن أن تنال دولتهم عطف العالم الإسلامي مع مقاومتها

للعرب

وأود لو يعلم أحرار إنكلترة ومنصفوها المستقلون ذلك فلا يغتروا باستخدام

مستعمريهم لأهل هذا البيت، ويظنون أنهم هم الذين يخضعون لهم هذه الأمة

ويرضونها باستعمار بريطانية لبلادهم على أن الأيام ستعلمهم ما لم يكونوا يعلمون.

وأود لو تعلم الشعوب العربية أن الانتداب الذي فهموا معناه لم يصر أمرا

مقضيا، وأن عصبة الأمم لن تكون ألعوبة بيد المستعمرين، وأن الرجاء في

استقلالهم واستقلال أمثالهم وبناء قواعد الصلة بين الشرق والغرب على أساس

العدل وتبادل المنافع من غير سيطرة ولا سيادة للمستعمرين على المستضعفين - رجاء

قوي يزيده العلم به والسعي إليه قوة، ولا بقاء للعمران بدونه: {فأما الزبد

فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} (الرعد: 17) .

وأود لو يعلم سادة الأمة العربية وكبراؤها أنهم لو جمعوا كلمتهم في هذه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢١٨